القاضي طارق البيطار.. الكتوم والعنيد يهدد الطبقة السياسية اللبنانية

باشر المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار التحقيق بهدوء لمدة ثمانية أشهر في أحد أسوأ الانفجارات غير النووية في العالم مع أربعة مساعدين فقط أمام العديد من المنتقدين الأقوياء الذين يحاولون منعه. وأصبح اسم القاضي مألوفا في لبنان وموجودا في كل نشرة إخبارية.

ويعدّ التحقيق الذي أجراه بيطار في انفجار مرفأ بيروت الضخم العام الماضي بالنسبة إلى العديد من اللبنانيين الأمل الوحيد في معرفة الحقيقة والمساءلة في بلد يتوق إلى كليهما. وتُظهر لوحات إعلانية في بيروت قبضة ممسكة بمطرقة كتب عليها “فقط طارق يستطيع الانتقام لنا”.




لكن الرجل البالغ من العمر 47 عاما تحول إلى كابوس بالنسبة إلى الطبقة السياسية الراسخة في البلاد. وتوحد السياسيون في مشهد نادر لإزاحته من منصبه، معتبرين أنه يمثل تهديدا أكبر بكثير من اقتصاد البلاد المنهار، وخزائن الدولة الفارغة والبطالة المتزايدة والفقر والغضب العام.

ولم يتردد بيطار في استدعاء العشرات من كبار المسؤولين الحكوميين السابقين والحاليين، بعضهم بتهم الإهمال الجنائي والقتل دون سابق إضمار. وأصدر مذكرات توقيف بحق وزيرين سابقين عندما رفضا المثول أمامه.

رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي أصبح في مأزق بالفعل بشأن كيفية الرد على الدعوات لإقالة طارق بيطار

وقُتل أكثر من 215 شخصا في انفجار الميناء في الرابع من أغسطس 2020 الناجم عن انفجار مئات الأطنان من نترات الأمونيوم المخزنة في مستودع لسنوات، على ما يبدو بعلم كبار السياسيين ومسؤولي الأمن الذين لم يفعلوا شيئا حيال ذلك. كما جرح في الانفجار 6 آلاف شخص ودُمرت أجزاء من المدينة.

ولا تزال جل العوامل غامضة بعد أكثر من عام من بدء الحكومة تحقيقا قضائيا، انطلاقا من الأوامر بالشحن إلى سبب تجاهل المسؤولين التحذيرات المتكررة من الخطر. لكن بيطار اكتسب ثقة العديد من اللبنانيين بمن فيهم أقارب الضحايا.

وقال جورج بيزدجيان الذي قُتلت ابنته الممرضة جيسيكا في الانفجار “لدينا إيمان كبير يصل إلى 90 في المئة بأن القاضي بيطار سيقودنا إلى العدالة”.

ويصف بيزدجيان وآخرون بيطار بالرجل معسول الكلام والهادئ والشجاع الذي ظل بعيدا عن الانتماءات السياسية أو المحسوبية وأظهر الاحتراف والاصرار.

وفي أحد الأيام لم يكن هناك كهرباء في مكتب القاضي. وشارك بيطار واثنان من مساعديه شاشة كمبيوتر واحدة في الغرفة الرطبة، حسبما قال خبير قانوني مطلع على القضية.

وقال الخبير القانوني الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لإفصاحه عن تفاصيل من الاجتماع الخاص “إنه لأمر مروع للغاية أن تدخل مكتبه وهناك شاشة كمبيوتر واحدة وشخصان يساعدانه (…) وهو يحاول حل أكبر جريمة في تاريخ لبنان الحديث”.

وعُيّن بيطار بصفته القاضي الثاني الذي يتولى القضية في فبراير. وشهد تحدي عمله في كل خطوة على الطريق. ففي البداية اختبأ المسؤولون المشتبه بهم وراء الحصانة البرلمانية أو المهنية، ورفضوا المثول أمامه. واتهموه بإفراد بعض المسؤولين دون غيرهم في محاولة على ما يبدو لاستغلال الأحقاد الطائفية في بلد منقسم على هذه الأسس. ثم رفعوا دعوى ضده وحاولوا تشويه سمعته قائلين إنه أظهر تحيزا وتحالفا مع قوى أجنبية.

وخلال الشهر الحالي جاءت الدعوة لإقالته من زعيم حزب الله حسن نصرالله الذي يمكن القول إنه أقوى رجل في البلاد.

وتصاعدت مظاهرة مناهضة لبيطار نظمها أنصار حزب الله وجماعة أمل الشيعية المتحالفة معه بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى أسوأ أعمال عنف تشهدها العاصمة منذ سنوات، حيث قُتل سبعة أشخاص وتبع ذلك اتهامات بأن بيطار يشكل تهديدا للسلم الاجتماعي.

انفجار بيروت ملف تحوم حوله شبهات سياسية
انفجار بيروت ملف فساد سياسي

وقال نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله اللبناني في أوضح محاولة حتى الآن لربط بيطار بالاضطرابات المدنية إن قاضي التحقيق بيطار أصبح مشكلة حقيقية في لبنان و”أنه بسببه كادت تحصل فتنة كبيرة في الطيونة وفي المنطقة”.

وقال حاتم ماضي القاضي والمدعي العام المخضرم إنه لم يشهد من قبل مثل هذه المواجهة بين الطبقة السياسية والقضاء.

وأصبحت الحكومة الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي في مأزق بالفعل بشأن كيفية الرد على الدعوات لإقالة بيطار. ولم يتراجع بيطار في غضون ذلك وأعاد إصدار استدعاءاته لكبار المسؤولين.

وقال الخبير القانوني إن القاضي كان يرحب بمن لديه أسئلة حول الإجراءات القانونية، لكنه حريص على عدم الكشف عن تحركاته التالية.

وولد بيطار سنة 1974 لعائلة كاثوليكية علمانية من شمال لبنان، ودرس القانون في الجامعة اللبنانية في بيروت وتدرب لاحقا في أكاديمية قضائية.

وعُيّن مدعيا عاما استئنافيا في شمال لبنان في 2012، واحتفظ بهذا المنصب حتى 2017 عندما عُيّن رئيسا لمحكمة جنايات بيروت.

وأصدر عدة أحكام في قضايا هزت لبنان مثل إطلاق النار على شاب إثر حادث مروري. كما كان وراء تغريم أطباء مستشفى خاص بمبلغ ضخم بسبب سوء الممارسة الذي كلف فتاة صغيرة أطرافها الأربعة.

واتصل وزير العدل السابق ببيطار لأول مرة لتولي المنصب بعد انفجار الميناء بوقت قصير. وإدراكا لحجم التحدي أخبر بيطار الأشخاص الذين التقى بهم أنه طلب فريقا أكبر من المساعدين للتحقيق. كما طالب برفع الحصانة عن المشرعين ليتمكن من استجوابهم. وقال الخبير القانوني إن أحدا لم يرد على طلباته التي كانت تتطلب تعديلات قانونية.

وتوجه الوزير نفسه إلى بيطار مرة أخرى في فبراير بعد إقالة سلفه بأمر من المحكمة عقب طعون قانونية من سياسيين. ووافق بعد أن أدرك أنه المرشح الوحيد.

ووصف أقارب ضحايا انفجار الميناء بيطار بأنه متعاطف بشدة مع سعيهم لتحقيق العدالة. وقال أحد الرجال إن القاضي أخبره أنه تعامل مع القضية كما لو أن ابنته قتلت. وقال بيزدجيان إن بيطار أخبر العائلات أنه يشعر بالمسؤولية بسبب القتلى والجرحى والنازحين ولأن “نصف عاصمتي دُمّر”.