الدعم العربي للبنان يوجّهه الخوف من النفوذ الإيراني

يؤشر تكليف مجلس الوزراء اللبناني لوزير الأشغال العامة والنقل علي حمية بالتواصل مع النظام السوري، حليف حزب الله الاستراتيجي في المنطقة، على المزيد من تعقيد الأزمة في لبنان الذي يحتاج دعما ماليا عربيا يوقف الانهيار.

ومنذ تشكل الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي يراهن لبنان على دعم عربي -خاصة الدعم السعودي- من أجل تجاوز أزماته، إلا أن بوصلة الدعم يوجهها الخوف من النفوذ الإيراني.




ويأتي انفتاح لبنان على سوريا -وإن تم تسويق ذلك على أنه ضرورة اقتصادية وبضوء أخضر أميركي- ليؤكد ارتهان الحكومة اللبنانية لأجندات حزب الله، وهو ما يجهض آمالها الضعيفة في استجلاب دعم مالي عربي.

ويثْبت هذا الانفتاح فشل ميقاتي في البرهنة على أن حكومته لا تخضع لسيطرة حزب الله، وهو السبب الأساسي وراء تحفظ الرياض على دعم بيروت.

وفي الوقت الذي تقود فيه فرنسا جهودا من أجل حشد الدعم لتعزيز الاقتصاد اللبناني المتراجع بعد أكثر من عام منذ انفجار مرفأ العاصمة بيروت في الرابع من أغسطس 2020، ظل الموقف العربي عامة مترددا ومتراجعا عن الانخراط الواسع في جهود إعادة هذا الاقتصاد إلى حالة التعافي ومنع احتمالات انهيار البلد العربي.

ويشهد لبنان منذ أكتوبر 2019 حراكا شعبيا واحتجاجات على سوء إدارة مؤسسات الدولة وتراجع مستوى الخدمات وهبوط سعر الليرة اللبنانية بنحو 90 في المئة من قيمتها مقابل الدولار الأميركي، وانعكاسات ذلك على مجمل الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بلد يعاني منذ نحو عامين من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه.

وترفع الحركة الاحتجاجية شعارات مناهضة لكل من حزب الله ، حليف طهران، والنفوذ الإيراني.

وفي الذكرى الأولى لانفجار المرفأ نظمت فرنسا في الرابع من أغسطس مؤتمرا “افتراضيا” هو الثالث خلال عام للدول المانحة من أجل دعم الاقتصاد اللبناني وجمع نحو 370 مليون دولار، ووعدت كل من الولايات المتحدة وفرنسا بتقديم 100 مليون دولار.

وكان الحضور العربي على مستوى رؤساء لبنان ومصر والأردن والعراق، بالإضافة إلى وزراء مثلوا السعودية والإمارات وقطر.

وسبق أن استضافت باريس مؤتمرا “افتراضيا” في التاسع من أغسطس 2020، شاركت فيه 30 دولة توافقت على أن تكون المساعدات “منسقة في شكل جيد، برعاية الأمم المتحدة، على أن تُقدم مباشرة إلى الشعب اللبناني مع أكبر قدر من الفاعلية والشفافية”.

وترى الدول العربية، المناهضة للمشروع الإيراني في المنطقة، أن حزب الله، الحليف الأهم لطهران في المنطقة، يهيمن على مراكز القرار في الدولة اللبنانية التي باتت مؤسساتها، بما فيها الأمنية، مهمشة وخاضعة له.

ولذلك تعتبر الدول العربية أن أي دعم يمكن تقديمه للدولة اللبنانية سيقوّي حزب الله ويعزّز النفوذ الإيراني في لبنان بشكل أكبر. وتهدد سيطرة حزب الله على ملفات عدة في لبنان ثقة العالم والدول العربية بالأمن والاستقرار المطلوبيْن للاستثمار في القطاعات اللبنانية.

وتعد السعودية من بين أكبر الدول الداعمة للبنان في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، ومصدرا مهما للدعم المالي الخارجي من خلال المساعدات والمنح أو القروض والتحويلات والاستثمارات في القطاعات العقارية والسياحية وغيرها. لكنْ ثمة أسباب عديدة دفعت السعودية إلى إعادة النظر في سياساتها تجاه لبنان عموما، والمساعدات المالية والعسكرية خصوصا، والاقتصار على مساعدات ذات صبغة إغاثية، عبر منظمات دولية، دون المرور بمؤسسات الدولة اللبنانية.

ومن هذه الأسباب: توتر العلاقات بين السعودية وإيران منذ بداية عام 2016، وقبلها التدخل الإيراني في ملف اليمن (جار السعودية) عبر دعم جماعة الحوثي منذ 2014، وتدخل حزب الله في سوريا منذ 2012 إلى جانب قوات النظام، وفرض الحزب سيطرته على معظم مؤسسات الدولة اللبنانية.

وتركز السعودية في سياستها تجاه لبنان على ثنائية استعدادها للمساهمة في إعادة إعمار لبنان، لكن مقابل إصلاحات جذرية تقود أولا إلى إنهاء هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية.

وتشترط السعودية، وفقا لتصريحات وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، أن أي مساعدة تقدمها إلى “الحكومة اللبنانية تعتمد على كيفية قيامها بإصلاحات جادة وملموسة، مع ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين منها، وليس الفاسدين الذين يسعون للسيطرة على مصير لبنان”.

وتقدم الإمارات مساعدات إنسانية للبنان، بالتعاون مع المنظمات والشركاء الدوليين. وتشارك قطر الجهود الدولية والإقليمية لضمان الاستقرار في لبنان وإيجاد حلول جذرية لأزمته، مع مواصلة تقديم المساعدات الإغاثية غير المشروطة للدولة اللبنانية.

ويعمل كل من الأردن والعراق على تجاوز الاعتبارات السياسية ومواقف المجتمع الدولي الداعية إلى الإصلاح كشرط لتقديم المساعدات للبنان.

وبالتنسيق مع مصر يعتزم الأردن تزويد لبنان بإمدادات الكهرباء والغاز عبر الأراضي السورية، فيما يقدم العراق المزيد من إمدادات النفط إلى لبنان.

ومنذ 2019 -ونتيجة للأزمة الاقتصادية الحادة- استمر مسار العملة اللبنانية في التراجع حيث خسرت حوالي 90 في المئة من قيمتها حتى اليوم، بالإضافة إلى نقص إمدادات الوقود والكهرباء وشح الدواء والسلع الاستهلاكية الأساسية جراء التراجع الحاد في احتياطي لبنان من النقد الأجنبي اللازم للاستيراد.

وللأزمة الاقتصادية تداعيات على مؤسسات الدولة، ومنها مؤسسة الجيش التي تواجه أزمة مالية وتحتاج إلى مساعدات خارجية في مجالات شتى، من بينها الوجبات الغذائية، حيث قدمت إسبانيا ودول أخرى المزيد من المساعدات في هذا المجال، ومنها 70 طنا تقدمها قطر شهريا.

ولا يعول اللبنانيون كثيرا على إمكانية إحداث تغييرات إيجابية بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في عام 2022، في ظل توقّع أن تعود القوى التقليدية المهيمنة إلى صدارة المشهد السياسي، وهي القوى المتهمة بأنها مسؤولة عن أوضاع لبنان السيئة، وتتمثل في الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل، بالإضافة إلى التيار الوطني الحر (مسيحي) بقيادة جبران باسيل المتحالف معهما. وأدت التدخلات الإقليمية في لبنان إلى زيادة تعقيد الأزمات التي يعاني منها بعد ثورات الربيع العربي وحالة الانقسام التي شهدتها الساحة العربية بين قوى ودول مؤيدة لهذه الثورات وأخرى معارضة لها، إضافة إلى تأثير النفوذ الإيراني الذي اتسع أفقيا ليشمل سوريا، عبر حلفاء لبنانيين مثل حزب الله.

وفي مقابل ذلك أخرجت تدخلات حزب الله الخارجية في اليمن وسوريا الدولة اللبنانية من حياديتها، التي حددها إعلان بعبدا لعام 2012 بشأن السياسة الخارجية بعد جولات من الحوار الوطني شارك فيها الحزب، وكانت تهدف إلى التعايش الداخلي والنأي بالنفس عن التدخل في النزاعات والصراعات الدولية والإقليمية، مثل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران والحرب الأهلية في سوريا.

ومن بين أهم عوامل التردد العربي في تقديم الدعم للدولة اللبنانية العلاقة الوثيقة بين حزب الله وإيران وتعاونهما في ملفي سوريا واليمن، إضافة إلى موقف التيار الوطني المتحالف مع حزب الله المعارض للإجماع العربي في الملف السوري وملفات إقليمية أخرى.

السعودية تريد إصلاحات جادة وجذرية تقود إلى إنهاء هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية كشرط أساسي للدعم المالي

ولا تبدي السعودية ودول عربية أخرى اهتماما واضحا بالأزمة السياسية في لبنان، أو لعب أي دور مشابه لدور هذه الدول في جمع الأطراف المختلفة، كما حدث في الطائف، للوصول إلى اتفاق جديد ينهي الخلافات بين القوى اللبنانية المتصارعة.

ويرى مراقبون أن التخلي العربي عن لبنان قد يفاقم أزمتيه السياسية والاقتصادية واحتمالات تعميق الانقسامات بين القوى السياسية الفاعلة بعد ما شهدته بيروت في 14 أكتوبر الجاري من اشتباكات دموية بين حزب القوات اللبنانية (مسيحي) ومسلحي حزب الله وحركة أمل.

ولا تزال هذه الانقسامات اللبنانية تشكل عاملا من عوامل الاقتتال الداخلي واسع النطاق، ما ينذر بفوضى أمنية أو حرب أهلية جديدة تهدد بتفكك الدولة اللبنانية وانهيارها.