يوسف بزي - المدن

وماذا نفعل بالمئة ألف مقاتل؟ – يوسف بزي – المدن

“لا أطيق سمير جعجع، لكن في ذاك اليوم كنت مستعداً أن أمتشق سلاحي وأقف إلى جانب شباب فرن الشباك، ولو كانوا من حزب القوات. أي أحد يريد أن يعتدي على بيتي أو الحيّ الذي أسكن فيه، لا يتوقع مني إلا أن أحاربه. بل سأقتله، ولو كان من طائفتي”.

جان، من محبي ميشال عون. وهذه هي حدود السياسة عنده. عندما يتحدث فيها يردد كلمة “بدنا دولة عادية وبس”. بمعنى ما، هو نموذج المواطن اللبناني المسيحي الذي لا يكن مشاعر نافرة أو حزبية تجاه أي آخر. مع ذلك، وجد نفسه (ربما مرغماً) إلى جانب رئيس حزب القوات الذي “لا يطيقه”، في لحظة ذاك الاشتباك الدامي في محيط الطيونة.




في العام 1975، لم يكن حزب الكتائب يحتكر تمثيل المسيحيين، الذين طوال تاريخهم وحتى اليوم، متعددو المشارب والأحزاب والأهواء، بل تموج فيهم ديناميكيات التبدل السياسي والانتخابي. لكن، ووفق اعتراف اليسار اللبناني وحلفائه من المنظمات الفلسطينية، كان لقرار “عزل الكتائب” والدخول في نزاع مسلح مع هذا الحزب، أثر عكسي تماماً. إذ شعر المسيحيون بأغلبيتهم الساحقة أن المسلمين المستقوين بسلاح منظمة التحرير يريدون الانقضاض عليهم لا على حزب الكتائب وحده، ويريدون ضرب الدولة والجيش اللبناني اللذين يعتبران حصن المسيحيين وأساس الجمهورية التي يزدهون بها ويفتخرون. ولذا، وعلى نحو تلقائي بات حزب الكتائب في تلك اللحظة هو حزب المسيحيين كلهم. وبذلك تحول بلمح البصر الصراع السياسي والمسلح من حرب يسار ضد يمين إلى حرب طائفية صافية، وهي أصلاً طائفية كامنة في هذا اليسار وذاك اليمين.

الدرس الآخر الذي لا بد منه، هو مشهد الأشرفية عام 1978. الجيش السوري الذي يسيطر على لبنان بكل “جبورته” ودباباته وألويته وخصوصاً مدفعيته وراجماته، شن حرباً لمئة يوم على هذا الجزء الصغير من بيروت. أعنف قصف متواصل وتدميري، هجمات واقتحامات لأكثر من ثلاثة أشهر.. ضد أقل من ألفي مقاتل يقودهم بشير الجميل. وانتهت المعركة بهزيمة مشينة لجيش حافظ الأسد، عسكرياً وسياسياً.

بالمقابل، عام 1983-1984، كانت الضاحية الجنوبية أقل كثافة سكانية من الآن، وأضعف تسليحاً عشرات المرات مما هي حالها اليوم. ومع ذلك، عندما شعر سكانها أنهم بخطر ومحاصرون وربما مهددون بالاقتلاع والطرد وهم بمعظمهم من مهجري معارك الجنوب ومناطق الحرب الأهلية ونازحو الأرياف (بدأ عهد أمين الجميّل بجرافات حاولت إزالة العمران العشوائي لفقراء الأوزاعي!).. عندما شعروا بخطر وجودي حاربوا الجيش اللبناني المدعوم بقوات الحلف الأطلسي وبوارجه بضراوة مذهلة، بغض النظر عن المشروع السياسي السوري الإيراني آنذاك للانقضاض على الدولة اللبنانية مرة جديدة. كانت تلك المعركة درساً خلاصته أيضاً: ليس مهماً أن يكون لديك مئة ألف مقاتل وترسانة صاروخية. النزاع الأهلي له حسابات أكثر تعقيداً بكثير من ذلك.

الدرس الألمع هو الذي لقنه حزب الله ذاته لإسرائيل. أي مقارنة في العديد والعتاد والتسليح والقوة النارية كانت تميل بشدة لصالح إسرائيل. لكن المعادلة الحاسمة في المعركة المديدة، كانت ببساطة هي: السكان إلى جانب من؟

آخر التجارب “اللبنانية” يمكن الاستدلال بها كانت في 7 أيار 2008. استطاعت الميليشيات غزو بيروت الغربية وهي أصلاً مفتوحة متعددة الطوائف. لكن تلك الميليشيات -وعن حصافة سياسية يجب تذكرها الآن- لم تقترب متراً واحداً من الأشرفية أو عين الرمانة. والأهم أن تلك الميليشيات لم تستطع أبداً الدخول إلى كل محيط “الطريق الجديدة” حيث السكان هم على عصبية واحدة.

بالطبع، كسر هكذا معادلات بالمعنى العسكري لا تتيحه سوى سياسات إبادية. أي شن حملة لا ضابط عسكرياً أو أخلاقياً أو إنسانياً لها. تطهير سكاني وأرض محروقة. وهذه أيضاً نتيجتها غير مضمونة. حملة الأنفال والسلاح الكيماوي الذي استخدمه صدام حسين فيها لم تنجح في استئصال وإبادة السكان الأكراد. تجربة الصرب في البوسنة والهرسك ثم في كوسوفو أيضاً فشلت. التجربة السورية للأسف، وبين وحشيتي النظام وداعش وضراوة التنظيمات الإسلامية المسلحة، تبدو وحدها هي الأكثر نجاحاً في “التطهير”. مع ذلك، النصر التام ما زال بعيد المنال. بل يمكن القول أن “الهزيمة” هي أفق سوريا أرضاً وشعباً.

بكل الحالات، ما من دليل على الإطلاق أن حزب الله قادر أو لديه النية بالجنوح نحو ما يمكن وصفه بالحرب الإبادية، والأهم أن “شعبه” رغم كل زهوه بالقوة راهناً يدرك حسنات التعايش وفوائده. ولذا، وبحدود التجارب السالفة الذكر ودروسها، فإن حزب الله قبل الآخرين يعرف النتائج السيئة لأي محاولة لـ”عزل القوات اللبنانية” أو محاولة زج مئة ألف مقاتل في حرب مع طوائف أخرى.