الحكومة معطلة والبلد يقترب من لحظة الانفجار… ماذا عن خلفيات التصعيد “الملتهب” لـ”حزب الله”؟

ابراهيم حيدر – النهار

لا يقتصر وضع الحكومة الراهن على توقف اجتماعاتها، بل هي معطلة بالكامل، أقله في انتظار تسوية لملف التحقيق في انفجار المرفأ، وهي ليست ممكنة حتى الآن، إذ لا حل قريب في الأفق في ضوء التصعيد المرتفع السقف الذي يقوده “#حزب الله” بطلب تنحية المحقق العدلي طارق البيطار لا بل المطالبة برحيله وفق الشيخ نعيم قاسم، ويحاول الحزب أن يفرض مساراً في العمل الحكومي يكون هو مرجعيته والمقرر في ملفاتها الأساسية، طالما أنه يعتبر أن موافقته برعاية إيرانية هي التي شكّلت الحكومة، وفي إمكانه إسقاطها أو تعطيل عملها. والواقع أن تركيبة الحكومة التي أعطت “حزب الله” ورئيس الجمهورية ميشال عون التحكم بقراراتها، هي آخر حكومات العهد، وبتعطيلها لا يمكن عندها التفاوض مع صندوق النقد الدولي ولا التصدي لملفات أخرى، باستثناء ما أتخذته الحكومة قبل توقف اجتماعاتها من قرارات بالتعيينات وفق محاصصة واضحة.




حكومة نجيب ميقاتي معطلة، وهي تعكس إلى حد كبير قدرة قوى طائفية، خصوصاً الشيعية السياسية على التعطيل، وعجز موقع الرئاسة الثالثة عن الاستقطاب والتقرير، في وقت يستخدم رئيس الجمهورية كل صلاحياته الدستورية وتلك المرتبطة بالامر الواقع للتعويض عن خسارته في الشارع لبنانياً ومسيحياً، ولا مشكلة إذا تعطلت أيضاً الانتخابات النيابية وصار الامر متروكاً للفراغ، فمن الآن حتى انتهاء ولاية العهد يمكن تغيير الكثير من التوازنات بما فيها استمرارية الرئيس في أداء مهماته إلى أن تحين لحظة الحل الكبرى للبلد، وهو مرتبط بمسار إقليمي ودولي يشهد تصعيداً في كل المنطقة، من العراق إلى اليمن وسوريا، وأيضاً الساحة اللبنانية. ولا يبدو في هذا السياق أن “حزب الله” واستطراداً “الثنائي” أنه سيتنازل قبل تنحية القاضي البيطار أو أقله التوافق على صيغة أخرى لتحقيقاته لا تمس بالوزراء والنواب والرؤساء، وصولاً إلى تجويف التحقيق ومنعه من الوصول إلى نتيجة، كغيره من القضايا التي تصدى لها المجلس العدلي، وهذا يعني أيضاً بالنسبة إلى “حزب الله” طوي التصعيد بمواجهة #الطيونة – عين الرمانة مقابل انهاء التحقيق بملف المرفأ.

وإذا كان ملف التحقيق بانفجار المرفأ قد أنتج خلافاً ما بين التيار العوني ورئيس الجمهورية من جهة و”حزب الله” من جهة أخرى، وأدى إلى تعطيل اجتماعات مجلس الوزراء، إلا أنه خلاف يرتبط بمصالح آنية وبمسارات سياسية يومية، فالرئيس ميشال عون يضغط ضد الجميع لتحسين شروطه في الملفات الاخرى وإعادة تعويم موقع تياره في الانتخابات النيابية المقبلة، وهو يسعى لتحقيق انجازات معينة حتى لو اضطر الامر إلى تعطيل البلد كله، ويعمل خصوصاً على حشر “#القوات اللبنانية” واحراجها بملفات قضائية، وصولاً إلى انهاء التحقيق بملف المرفأ عبر توافق مع “حزب الله” خصوصاً. وعون يريد أيضاً تحقيق انجاز في ملف التحقيق الجنائي المالي، وتفيد المعلومات أنه يضغط للسير بمحاكمة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أقله قبل انتهاء الولاية وتحسين حظوظ جبران باسيل للرئاسة.

لكن المخاوف الكبرى تتعلق بالوضع الداخلي للبنان، إذ أن تقارير غربية تشير إلى أن الوضع خطير، وأن الملف اللبناني دخل في دائرة التصعيد كغيره من ملفات المنطقة. هذا التصعيد الذي بدأ بملف التحقيق في انفجار المرفأ وتعطيل الحكومة، وتفاقم بعد حادثة الطيونة قد يأخذ مداه وفق مصادر دبلوماسية مع ارتفاع سقف الشروط لإقالة القاضي طارق البيطار، ثم التصويب على ملفات أخرى مرتبطة بوضع لبنان في المنطقة، وهو ساحة من الساحات الإيرانية التي تعتبرها طهران أساسية للضغط، وذلك بصرف النظر عما آلت إليه تطورات حادثة الطيونة وتحقيقاتها واستدعاء جعجع لأخذ افادته في المحكمة العسكرية. ووفق معلومات سرّبت لمصادر سياسية حول تحقيقات الطيونة، أن إطلاق النار على التظاهرة لم يأت بقرار من “القوات اللبنانية” وأن لا وجود لقناصين إذ أن الإصابات والضحايا سقطوا بإطلاق نار على الأرض، من دون أن يعني ذلك أن لا وجود لعناصر “القوات” في عين الرمانة، وهو ما اثار حفيظة “حزب الله” الذي يعتبر أن القوات مسؤولة مباشرة عن الحادثة.

المعطيات تشير إلى أن تصعيد حزب الله” يتجاوز أيضاً ملف تحقيقات المرفأ، فهو يريد الحفاظ على مكتسباته السياسية وتلك التي حققها خلال السنوات الماضية، وقدرته على التحرك أمنياً، والتدخل في أي مجال من دون اعتراض، ويندرج تصعيده تحت هذه الخانات، وهو الذي كان تمكن برعاية إيرانية من الدفع بتشكيل حكومة نجيب ميقاتي وفي إمكانه إسقاطها، وفرض وقائع على الارض لما يملكه من فائض، لكنه لا يستطيع أن يغيّر المعادلة كلها من دون حليفه العوني وتغطيته، وصولاً إلى تطويع “القوات”، لذا قد يضطر الى البحث عن صيغ معينة لضبط الوضع، طالما أن جمهوره يعاني أيضاً من تبعات الانهيار. أما وقف التصعيد، فلن يحدث قبل تكريس تفوقه، أقله لحسم قضية المحقق العدلي في تفجير المرفأ. لكن الأمر قد يؤدي إلى الإطاحة بالحكومة وقد ينسحب على الانتخابات النيابية وربما الرئاسية، ليسود الفراغ في انتظار تدخل دولي وإقليمي يؤدي إلى تسوية كبرى تطال الصيغة اللبنانية كلها. فإذا كان تصعيد “الحزب” يقتضي ذلك، قد يذهب البلد إلى الفوضى، أما إذا كان للحصول على مكاسب راهنة، فقد نصل إلى تسوية توقف التوتر واحتمالات المواجهات الأمنية المتفرقة، ويمكن أن تطيح بالمحقق العدلي، لإعادة الأمور إلى ما قبل حادثة الطيونة، وبذلك يكون الحزب قد حقق ما يريده في المرحلة الحالية.

لكن المصادر الدبلوماسية ترى أن الوضع خطير جداً، وتحذر من أن أي مواجهة قد تأخذ لبنان إلى حرب أهلية، لا يخرج منها أي منتصر، وهو أمر لا يزال مستبعداً حتى الآن، فيما حل الأزمة لا يمكن إلا أن يكون عبر تسوية سياسية غير متوفرة الآن في ضوء الشروط والشروط المضادة، حيث تزداد حدة الأزمة المالية والاقتصادية، واحتمالات الفوضى الامنية مفتوحة في ظل الانسداد السياسي والتدهور المعيشي الكبير. وما لم يتم الاسراع في التصدي للوضع قد يقترب البلد من الانفجار، ولن يعود هناك إمكان للجم الانهيار والتفلت الأمني والاجتماعي.