لبنان الغارق في الأزمات يُواجه فصلاً جديداً من معضلة «العيش سوياً»!

يقفُ لبنان على مفترق طرق دولة وشعباً ومؤسسات. بات من الصعب رسم «سيناريوهات» لما يُمكن أن تكون عليه «بلاد الأرز» في المستقبل. ظنَّ اللبنانيون أن الحرب الأهلية وضعت أوزارها مع توصّل قياداتهم السياسية إلى «اتفاق الطائف» عام 1989 في مدينة الطائف السعودية، والذي تمّت صياغته برعاية عربية ودولية وأضحى في ما بعد دستوراً للجمهورية الثانية.
شكّل «اتفاق الطائف» بداية لطيّ الصفحة الأليمة من تاريخ البلاد بعد 15 سنة من الموت والدمار حصدت معها ما يزيد على مئة ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والمفقودين، رغم أنه لم يلقَ قبولًا من رئيس الحكومة العسكرية آنذاك العماد ميشال عون والذي كان قائداً للجيش، ودفع ثمن عدم قراءته للقرار العربي – الدولي الكبير بوقف الاقتتال اللبناني – اللبناني وإعادة سلطة الدولة وتوحيد البلاد التي انقسمت إلى منطقتين، واحدة تُسيطر عليها الميليشيات المسيحية وأخرى تسيطر عليها الميليشيات الإسلامية. يومها في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990 قصف الطيران السوري بضوء أخضر أمريكي قصر الرئاسة في بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة، مطيحاً بالجنرال عون الذي لجأ إلى السفارة الفرنسية ومنها إلى منفاه الباريسي.
كانت البداية من إقرار مجلس النواب قانوناً للعفو العام عن جميع الجرائم السياسية، ومن ثم حلّ الميليشيات مع استثناء «حزب الله» بتقديمه على أنه قوّة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، فيما جرى تصفية «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي كان عمادها الحزب الشيوعي اللبناني.




الفرصة الضائعة
وافق النظام السوري على «اتفاق الطائف» على مضض. لكن قدر اللبنانيين شاء أن يغزو صدام حسين الكويت في ذلك العام، وأن يكون تمديد الوصاية السورية على بلدهم ثمناً لدعم سوريا عملية «عاصفة الصحراء» لتحرير الكويت. نجحَ نظام حافظ الأسد في تجويف «اتفاق الطائف» بنسخته السعودية، ليُطبّق جزئياً نسخة سورية جاءت مشوّهة في روحيتها ومضامنيها، وليعلّق البنود الأساسية المرتبطة بالجدول الزمني لانسحاب القوات السورية من لبنان تحت ذرائع عدة، في مقدمها حاجة القوى اللبنانية للوجود السوري لمنع عودتهم إلى الاقتتال مجدداً. ولم يخرج السوريون عسكرياً إلا في العام 2005 على دماء الرئيس رفيق الحريري، التي وحّدت المسلمين والمسيحيين وأنتجت «انتفاضة الاستقلال» أو «ثورة الأرز» لاحقاً في ما عُرف بـ»قوى الرابع عشر من آذار». لكن دمشق بتحالفها مع طهران كانت قد مكّنت «حزب الله» من تثبيت أقدامه داخلياً وتأمين الذرائع لبقاء «سلاحه المقاوم» رغم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000 وأمَّن تالياً وصول إيران إلى شواطئ المتوسط على الحدود مع إسرائيل. خرج النظام السوري من لبنان فحلَّ محلّه «حزب الله» في مواجهة الآخرين تأميناً وحماية لنفوذ إيران.
كان رفيق الحريري مؤمناً بقدرته على تحرير لبنان عبر الاقتصاد، فقاد عملية إعادة إعمار لبنان. مضى اليوم على اغتياله ست عشرة سنة ولم تشهد البلاد وضع حجر أساس لأي مشروع اقتصادي أو إنمائي أو تربوي أو سياحي أو حتّى صحيّ، وكأن البلاد مُعلّقة، وهي كذلك في واقع الحال. في حقبته ما بين 1992 – 2005 لم تكن معضلة سلاح «حزب الله» غائبة. آنذاك عَكَسَ سؤال: «أي لبنان نريد: هانوي أو هونغ كونغ» المأزق الذي دخله لبنان، والكلفة التي يتحمّلها جرّاء إمساك الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقرار السلم والحرب فيه، بتحويله إلى منصّة سياسية وعسكرية تحمل لواء «تحرير فلسطين» بوصفها قضية العرب والمسلمين المركزية، ما أمّن لها اختراق المجتمعات والتمدّد في العالمين العربي والإسلامي في مشروع وصفه الملك الأردني يوماً على أنه مشروع إقامة «الهلال الشيعي» القائم على خلق أمّة شيعية متراصة ومترابطة جغرافياً وسياسياً.

بين تغلغل إيران وانفضاض العرب

تعقّد المشهد اللبناني مع الوظيفة التي يقوم بها «حزب الله» كذراع عسكرية لإيران، وتولّي الأمين العام حسن نصر الله مهمة التنسيق الاستراتيجي ضمن المحور الممتد نفوذاً وتواجداً عسكرياً من اليمن إلى العراق وسوريا وغزة ولبنان، مُصدِّراً قيادات عسكرية ومقاتلين إلى دول الإقليم، ومتمدداً إلى ما وراء البحار في شبكات مخدرات وأسلحة وتبييض أموال. أضحى لبنان رهينة في يد نصر الله، حيث تحوَّل اللبنانيون إلى قربانٍ على مذبح مشروع الولي الفقيه.
كان لا بدّ، لإحكام السيطرة، مِن تحالف منطق المافيا – الميليشيا، وهو ما قضى على ما تبقّى من مقومات البلاد وسط قرار دولي – عربي – خليجي بالانفضاض عن لبنان وتركه لمصيره سياسياً ومالياً واقتصادياً بعد سيطرة «الدويلة» على مفاصل مؤسسات الدولة، في إطار فصل جديد من فصول اختلال التوازن الوطني. فكلما قامت «ثنائية طائفية» على حساب الطوائف الأخرى تكون نهايتها حرباً، وكلما هيمنت طائفة بقوّتها على الطوائف الأخرى كانت نهايتها مشؤومة. اليوم نحن في زمن هيمنة «الثنائي الشيعي» (حزب الله – حركة أمل)، وفي زمن ثنائية مارونية – شيعية صاغت تفاهماً سياسياً يُعرف باسم «تفاهم مار مخايل» عماده نصر الله ورئيس «التيار الوطني الحر» ميشال عون الذي وصل إلى سدّة رئاسة الجمهورية على صهوة ذاك التفاهم، فإذا بعهده يحتلُ مرتبة أسوأ العهود التي مرّت على تاريخ البلاد. عهد شهد سقوط لبنان المالي والاقتصادي في القعر، ومعاقبة عربية ودولية على الخط السياسي الذي انتهجه، وأحلام بـ»حلف أقليات» في المنطقة وبالتوجّه شرقاً في إدارة الظهر للغرب ولدور لبنان في كونه صلة وصل بين الشرق والغرب.
لبنان اليوم في الحضيض، غارق في أزمات عدّة، 70 في المئة من مواطنيه يلامسون أبواب الفقر في ظل انهيار متمادٍ لعملته الوطنية ونفاد الاحتياطي من العملات الصعبة في مصرفه المركزي الذي يتّكئ على ما تبقى من مليارات قليلة، هي من الاحتياط الإلزامي للبنوك من أموال المودعين الكبار والصغار غير القادرين على سحب جنى عمرهم من حيتان المال. لا بل إن الأخطر هو فقدان «بلد الأرز» لخصائصه يوم كان مستشفى وجامعة وفندق الشرق الأوسط، ومقصد العالم السياحي، وسط غياب الرؤية على ماهية الدور المستقبلي له.
وحتى مرفأه – مرفأ بيروت – فقد دوره بعد تفجير الرابع من آب/اغسطس، هذا التفجير الذي هو اليوم بمثابة الصاعق الذي سيفجّر البلد في ظل الانقسام حول التحقيق العدلي الذي يقوده المحقق طارق البيطار، الذي أطل نصر الله قبل أسابيع مطالباً بإزاحته تحت وطأة التهديد والوعيد، بعدما اعتبر أن تحقيق المرفأ يرمي إلى استهداف «الحزب» بحيث يقف الأمريكيون وراء ستارة البيطار.

«حزب الله» في مصيدة تفجير المرفأ

بات تحقيق المرفأ شبيهاً بتحقيق اغتيال الحريري من وجهة نظر «الحزب». في «جريمة العصر الأولى» اتجهت الشبهة السياسية إليه كما في «جريمة العصر الثانية» رغم أن الأصوات السياسية كانت خافتة في اتهامه مقارنة مع الجريمة الأولى. لكن زمن اليوم دقيق وحساس بالنسبة إليه باعتبار أن المنطقة برمتها في مخاض رسم تحالفات جديدة ستحكم المستقبل لمئة سنة مقبلة، انطلاقاً من الاستراتيجية الأمريكية بالتوجه نحو آسيا لمواجهة الصين على حساب الانسحاب من الشرق الأوسط. وبالتالي، لا بد من المحافظة على مواقع القوة التي حققها «محور إيران» وفي مقدمها لبنان، قاعدة نفوذ أقوى أذرعه العسكرية المتاخمة لإسرائيل، التي تُشكّل ورقة الضغط الرئيسية على أمريكا المطلوب منها أن تعود إلى الاتفاق النووي وفق نسخته الأولى، من دون تعديل يطال صواريخ إيران البالسيتية ونفوذها في مجالها الحيوي.
كل ذلك كان ماثلاً في حسابات التظاهرة المفترضة لـ»الثنائي الشيعي» التي انطلقت من خطوط التماس بين الشياح – عين الرمانة، فأعاد الصدام بين أبناء المنطقتين شريط بدايات الحرب الأهلية التي انطلقت شرارتها الأولى من هناك. إلى اليوم، لا رواية موحّدة عن تلك الشرارة، تماماً كما لن تكون هناك رواية موحّدة عن كيفية اندلاع «أحداث الطيونة» يوم الخميس في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2021. وستبقى الروايات تتعدد، وسيُطلق عليها البعض تسمية الحادثة، وسيصفها فريق مسيحي بـ»غزوة» شبيهة إلى حد كبير بــ»غزوة بيروت 2008» أريد منها توجيه رسالة ترهيب إلى المسيحيين، من حلفاء وخصوم، الذين يتمترسون وراء المحقق البيطار في لعبة مزايدة في شارعهم على أبواب الانتخابات، فيما ستبقى في قاموس فريق «حزب الله» كميناً أعدّه حزب «القوات اللبنانية» في رسالة يُرسلها بالواسطة عن حليفيه الأمريكي والسعودي.

صدمة الطيونة وما بعدها

لا شك أن «حزب الله» أصيب بالصدمة التي فاقت صدمتيّ «حادثة خلدة» مع العشائر العربية والتي وصفها أيضاً بالكمين، وحادثة بلدة شويّا الجنوبية حين حوصرت مجموعة له كانت عائدة من عملية إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، رغم أن الحادثتين الأولى والثانية أصابتا صورته المتعالية والفوقية بقدر ما أصابت «أحداث الطيونة». إلا أنه يرى في الأخيرة رسالة مباشرة غير ملتبسة في مراميها وفي طبيعة مرسلها، وتستدعي التعامل معها بجدبة ووأدها في مهدها قبل أن تصبح كرة ثلج في قابل الأيام والأشهر.
ويأتي قلق «حزب الله» من ضبابية الواقع الذي سيفرزه استحقاق الانتخابات النيابية الذي يُعوّل عليه بعضٌ من المجتمع الدولي ليكون معبراً للتغيير في موازين القوى السياسية، في وقت يبدو فيه حليفه المسيحي، الذي أمَّن الغطاء الشرعي لسلاحه ولنفوذه، في حالة وهن وخصومة مع كثير من المكوّنات السياسية قياساً لما كان عليه في الانتخابات الماضية.
من هنا، يرى مراقبون أن المرحلة الراهنة على قدر كبير من الخطورة، فنصر الله ربط بين إزاحة المحقق العدلي وعودة انطلاق عمل الحكومة. وأعلن بكثير من الوضوح أنه فتح معركة مباشرة مع حزب «القوات اللبنانية» ورئيسه سمير جعجع، وهي معركة لا هوادة فيها سياسياً وإعلامياً ولن يتوانى في أن يستخدم كل أدوات السلطة ومؤسساتها في مواجهته وفي مضايقته وجره إلى التحقيق الذي بدأت إشاراته الأولى بالظهور وصولاً إلى مقاضاته، وهو سياق – وإن كان يُعبّر عن مأزق الحزب – إلا انه يحمل في طياته توجهاً حول تأزيم الوضع الداخلي الذي يرزح تحت ضغوطات جمّة تُنذر بالانفجار الاجتماعي.
هي صورة قاتمة لبلد ما عاد يُشبه نفسه، يغرق في بحر من التحوّلات التي تترك مستقبله غامضاً مهدداً في صيغته وعيشه المشترك ودستوره ودوره، وفي أن يبقى على الخريطة!



رلى موفّق – القدس العربي