جهاد الزين - النهار

لماذا عادت الفكرة الفدرالية شعبيّةً لدى مسيحيي لبنان؟ – جهاد الزين – النهار

ليس الجواب صعبا على السؤال الذي يطرحه عنوان المقال أو هكذا أَفترِض. الملاحَظ هنا أن المسألة، مسألة الشعبية، باتت تتخطى النخب المسيحية التي بدورها ازداد مؤيدو #الفدرالية بينها كما هو واضح من أجواء السجال العام. صحيح أن الفكرة- الفدرالية- تبدو عامة بل غامضة من حيث فهم البيئات الشعبية حتى المؤيدة لها وعدم وجود صيغة ما واضحة لواقع معقّد كالواقع ال#لبناني الذي يعيش فدرالياتٍ حياتيةً وسياسيةً وليس دستوريةً، إذا جاز التعبير وهو جائز!، في المناطق غير المختلطة الشيعية والسنية والدرزية والمسيحية، لكن الحالة المسيحية من تحت إلى فوق، ومن فوق إلى تحت، لديها بوضوح نزوعات “انفصالية” أو الأدق نزوعات للتخفيف من الروابط المشتركة السياسية والدستورية والإدارية والانتخابية والاقتصادية مع بقية اللبنانيين، أعني بين المسيحيين وكل الطوائف الأخرى من سنية وشيعية ودرزية. ومع أن الاقتصاد، أي الأزمة الاقتصادية، طَحَن الجميع فإن معضلة التعايش السياسي موجودة بقوة ولم تتراجع. لا بل ربما تساهم هذه الأزمة في تعقيد الموقف السياسي بدل حث اللبنانيين على التوحّد في مواجهة فقر وإفقار عام.

يخفّ “الخجلُ الفدرالي” الذي كان يطبع تعبيرات ومزاج نخب الجيل السابق من المسيحيين اللبنانيين. لكن الدياسبورا البكّاءة من كل الطوائف هي أيضا في عجز عميق ولو كانت المسيحية منها غير بعيدة عن النزوعات الانفصالية إلا أنها تواجه عقمها المتواصل عن إيجاد سبل ضغط على الداخل اللبناني فيما المنظومة السياسية متحكِّمة تماما بأي مجال يمكنه أن يكون تنفيسياً لغضب وخيبة المهاجرين الذين باتوا يشبهون المهجّرين في بلاد الخارج مع فارق أن الدياسبورا تعيش حياة أفضل وأكثر انفتاحاً على المستقبل من لبنانيي الداخل البؤساء بالمعنى الحرفي للكلمة، كلمة البؤس.




يجب التحرر من التسمية: الفدرالية، ومن أعبائها السجالية. كيف يمكن حصول ذلك أمام الضغط الترهيبي المقابل وحتى الضغط الذاتي الذي لا يقل ترهيباً.

الشيعية السياسية تمارس اليوم أكثر أنواع الاستقلالية الثقافية والمناطقية والسياسية والأمنية فيما تشبك نفوذها المحلي وعلاقاتها الإقليمية بصورة غير مسبوقة. ليست وحدها طبعا، ففي الدولة المأزومة بل المنهارة من الصعب التمييز بين مظاهر “الانفصال” ومظاهر العيش والنشاط الطبيعي الذي تعكسه حالة التنوع. الانهيار السياسي هو الذي ينقل الطبيعي إلى الانفصالي. لبنان الذي هو واحد من كيانات تغيّرت بُناها الديموغرافية كثيرا في المائة عام الأخيرة كما العراق وسوريا (وفلسطين طبعا) ينتظم في مسألة شديدة الواقعية هي مسألة تقلّص الوجود المسيحي في المنطقة.

تواجه الفكرة الفدرالية محظورا طالما أشرتُ إليه من كونه يمثل العائق “الأيديولوجي” الأول في مستوى مشروعية هذه الفكرة الفدرالية هي كونها في لبنان عمليا فدرالية دينية مما يعني أنها ولو في البلد الصغير في المنطقة تفرض واقعا على كل المنطقة التي لا تستطيع أن تقبل بها الكيانات الكبرى في السعودية ومصر بينما “تحرر” العراقيون من هذا المحظور بسبب كون القضية الفدرالية فيه هي قضية قومية (عرب، أكراد) وليست دينية وهكذا يتحوّل العبءُ التقليدي للوضع السياسي العراقي إلى مكسب على المستوى الفكري لموضوع الفدرالية. فالضغط الكردي سمح هنا لكل المكونات العراقية المسلمة أن لا تخضع للمحظور الديني الذي تقع تحته المسألة اللبنانية بين مسلمين ومسيحيين.

هل نتصور لبنان الاقتصادي الذي سيُعاد تأسيسُه حتما بعد موت القطاع المصرفي الذي يعيش حالة موت عيادي رغم رفض أصحاب المصارف إعادة هيكلة القطاع طمعاً من جهة، بالاحتفاظ بالأموال المهرّبة في الخارج، ومن جهة ثانية في محاولة الوصول إلى جعل الدولة اللبنانية عبر تسييل أملاكها تدفع وحدها ثمن الودائع التي جمّدتها بعد العام 2019.

المسألة السياسية هنا أن البنية المصرفية للبلد، (بلد بلا مصارف حاليا!) كما البنية الإدارية (القطاع العام) يحتاجان إلى إعادة تأسيس أيا يكن مآل الصيغة السياسية للعلاقات بين اللبنانيين وطبيعة تكوين الدولة المركزي، أو اللامركزية الموسّعة أو الفدرالية. فقد ينسى البعض أن القطاع المصرفي نشأ في بيروت أي في “لبنان الكبير” وأي إعادة تأسيس بهذا المعنى لا يمكن أن يكون محورها سوى العاصمة التي هي مركزية في أي صيغة.

إذن وكما ورد القول في المقال السابق، تزداد المنطقة عناصر غير مشجّعة على أي تفاؤل بالمستقبل، أي تفاؤل، وآخرها أفغانستان “طالبان” التي تجعل إرث الخطاب التحديثي الذي عاش فيه الكثير من نخب المنطقة اللاجئة الآن أو أبنائها وأحفادها في عواصم الغرب خطابا منسياً أو مهملاً أو عقيما على المستوى السياسي.

السودان يفتتح مدى جديدا في الخراب العربي والإسلامي مع بدء ظهور موجة شعبية عبر تظاهرات تريد إسقاط الحكم المدني لصالح العسكري، والسودان هو إحدى جمهوريات إفريقيا البائسة والذي خسر ربع مساحته في الحروب الإهلية والقانون الدولي (خمسمائة ألف كلم مربع من أصل مليونين وخمسمائة ألف كلم مربع) خلال أقل من سبعة عقود على استقلاله ولا زال يتخبّط بين ديكتاتورية من هنا وانقلاب ديموقراطي من هناك ويستقر مؤخّراً مترجرجاً على حكم توازن مدني عسكري يسمّي نفسه: انتقالياً، يقول الجيش أنه سيحميه أي الانتقالي. مع العلم أن النخبة المدنية الحزبية والسياسية السودانية هي من أفضل وأنضج النخب المدنية السياسية العربية.

نكاد نكون شعوباً انتقالية ومجتمعاتٍ انتقاليةً وحتى هوياتٍ فرديةً انتقالية فكيف في البلد الذي أنتج ملحمة: “موسم الهجرة إلى الشمال”، وكل المواسم منذ ذلك الحين هي مواسم هجرة إلى الشمال.