حول مشروع الحرب الأهلية في لبنان

اتهم أمين عام حزب الله حسن نصر الله، صراحة ومباشرة، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بأنه يسعى لإشعال حرب أهلية في لبنان، منبهاً أن الخاسر الأكبر في هذه الحرب، إن وقعت، سوف يكون المسيحيين، وأنه على هؤلاء بالتالي التنبه إلى مصلحتهم، والموافقة على إقصاء جعجع وحربه، بل ومحاكمتهما للجريمة الأخيرة الموصوفة، المندرجة في سياق السعي إلى إضرام نار الاقتتال الداخلي في لبنان، أي المجزرة التي ارتكبها القناصة القواتيون بحق المتظاهرين العزّل في الطيونة الأسبوع الماضي.

نصر الله كان حريصاً على اعتماد لغة المنطق والأخلاق أولاً، وإن أضاف إشارات إلى القوة للتأكيد على أن ما يظهره من الصبر والسماحة هو وليد القدرة لا الحاجة. فجاء كلامه مفحماً، مقنعاً، حاسماً. لمن يوافقه الرأي ابتداءً.




أما من كان مختلفاً معه، فقد يخرج من الإصغاء إلى كلمته الخطيرة الأخيرة بالموافقة على مقولته حول أنه ثمة مشروع حرب أهلية في لبنان. غير أن من يشرع بهذا الاتجاه هو حزب الله وأمينه العام.

المغالطة المنطقية الأولى، المبدئية والنهائية، والتي يمعن فيها نصر الله ومن يؤيده هو اعتبار الوضع الشاذ المتمثل بوجود جيش جرّار غير تابع للدولة وغير خاضع للمساءلة الوطنية بل مرتبط برؤية وخطة وقرار من الخارج، علناً ودون حرج، أمراً مستوجباً للقبول دون نقاش، بل التصرف قولاً وعملاً على أساس أنه من الخيانة والعمالة الاعتراض عليه، أو الدعوة إلى حصر السلاح القاهر بالدولة.

غير أن ما يطلبه نصر الله ومن يجاريه لا يتوقف عند حد هذه المغالطة القاضية، بل يزيد عليها أنه يصرّ على أن يتعامى اللبنانيون عن الظاهر الجلي، هو أن هذا الجيش، والبنى الحزبية والاقتصادية والاجتماعية المتفرعة عنه، هو جيش طائفي، بهويته وقيادته ورموزه وعقيدته وأدبياته، يتناقض بفعل وجوده وحسب مع مسعى لبنان إلى الارتقاء نحو تحقيق الوعد الذي قام عليه بأن يكون وطناً لمواطنيه، يضمن لكافة ناسه حقوقهم، على أساس المساواة والمواطنة.

وجود حزب الله لا يتعارض مع السير باتجاه تجاوز الطائفية وحسب، بل يكرّسها ويصادق على النزعات الطائفية الأخرى ويعمّقها. ما يبدو عَرَضياً في سلوك الجمهور المؤيد لحزب الله، أي اختصار الشعارات التي ينادي بها عند انغماسه بأعمال العنف إلى عبارة “شيعة، شيعة” هو إظهار تلقي هذا الجمهور لفائض القوة الذي يمنحه إياه الحزب دون التنميق الخطابي وبالصراحة الفجة. هي العصبية والغرائزية بما يولّد ما يشبهها.

ثم إن ما يطالب نصر الله من يستمع إليه بأن يلتزم به هو تجاهل الحقيقة المؤكدة قضائياً بأن حزب الله هو من قتل رفيق الحريري، وما يستتبعها من ظنون لا يمكن تبديدها إلا بالتغفيل الاستغبائي حول مسؤولية الحزب عن قتل العديد من خصومه على مدى الأعوام. بل يعمد نصر الله بمطلق الاعتزاز إلى المفاخرة بالجرائم التي لا مجال للتشتيت بشأنها، مثل عرض القوة القاتلة في 7 أيار 2008، “اليوم المجيد”، أو مثل استعراض القوة إلى حد التهديد عام 2011، “القمصان السود”.

وعليه، فإنه على كل من يصغي إلى حسن نصر الله بإعجاب وتقدير ومودة، وهم في لبنان وجواره ليسوا قلّة، أن يدركوا أنه في مقابلهم من ليس مستعداً عن تجاوز اعتداء حزب الله على السيادة اللبنانية، وتكريس حزب الله للطائفية في لبنان، وإجرام حزب الله بحق معارضيه، ولا سيما المؤكد منه من اغتياله لرفيق الحريري.

يريد حسن نصر الله في خطابه أن يكون منطقياً، أخلاقياً، وقوياً. ولكن هذه السمات ليست لدى العديد ممن يسمعه مكتوبة على بياض، بل الصفحة التي هي مخطوطة عليها ملطّخة للتو بالدم والطائفية وانتهاك السيادة.

حزب الله لم يشارك بالحرب الأهلية. إلى حد ما، فاقتتاله مع حركة أمل لا يخرج عن هذا الوصف، إلا إذا كان المقصود بالحرب الأهلية حصراً التذابح بين المسلمين والمسيحيين. حزب الله حرّر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي. يُشهد له ذلك، بغضّ النظر عن إقصائه لغيره، وعن بنائه على هذا الإنجاز الوطني للتأسيس لواقع الاستنزاف التاريخي للبنان، كما هو قائم اليوم.

لمقاتلي حزب الله من المناقبية المشهودة ما يستحق التقدير. بالفعل، إذا ما جرى التغاضي عن أن ثمن دعمه للنظام في دمشق هو تمكين هذا النظام القاتل من الإمعان في إجرامه، ودفع المعارضة الملتبسة باتجاه التطرف.

هذه، وغيرها من الحجج التبديدية التي يلجأ إليها من يستمع مؤيداً لخطاب حسن نصر الله، وإن انضوت على أوجه من الحق، لا تعوّض عن الباطل البنيوي في واقع حزب الله، النافي للسيادة، المكرّس للطائفية، والمجرم بسجلّه.

غير أن الاعتراض على كلام نصر الله لا يتوقف عند حد هذا الثابت. بل يشمل كذلك مساءلة الزعم الضمني للمنطق والأخلاق.

من أكثر الطرق ابتذالاً للطعن بموقف الخصم عزو التزام الخصم به إلى منفعة مادية، وعدم التطرق إلى مضمون الموقف. أما من يؤيد موقف الخصم، فهم المضلّلون الذين وقعوا في فخّ الغشّ والاحتيال الذي نصبه الخصم.

قد يكون بالفعل، بما يتوافق مع كلام نصر الله، أن كل العمالة التي يغوص فيها سمير جعجع تهدف إلى كسب موقع الرئاسة لإرضاء نفسه. وربما كذلك أن مسعى الرئيس “الجهنمي” الحالي لتوريث صهره الرئاسة هو قمة التفاني في خدمة الوطن والإنسانية.

ولكن ربما كان من الأجدى الإقرار بأن ما يشهده لبنان هو مواجهة مبدئية بين من يريده وطناً لأهله، ومن يريده جندياً عند خطوط التماس لدى محور يخوض حرباً عالمية.

الاقتراب من المنطق، الذي يثمنّه من يستمع مؤيداً لأمين عام الحزب، يكون بمواجهة الخصم بأقواله ومواقفه، لا بالمزاعم المبنية على “معلومات” طاعنة مرجعيتها قول القائل وحسب، ولا سيما حين تورد في سياق التسطيحات والمبالغات.

على أن الزعم الضمني للمنطق يهون أمام الادعاء الصريح للأخلاق. فرغم إصرار أمين عام حزب الله على إنكار التمنين في استعراضه لمآثر حزبه، فإن الجلي على مدى كلمته هو أنه من المطلوب من مستمعيه الإقرار بأن أخلاقية الحزب ومناقبيته هي بفعل إرادة والتزام ذاتي، وإن اشتقها من الدين، لا نتيجة إلزام خارج عن الحزب وقراره.

يمكن هنا استعادة قول الرئيس عون، في إطار تبريره للاتفاق الذي عقده مع حزب الله، بأنه نتيجة لهذا الاتفاق لم يتعرّض أي مسيحي لضربة كف. يتلاقى عون هنالك ونصر الله هنا على اعتبار أن عدم صفع المواطن اللبناني، مسيحياً كان أو غير مسيحي، هو إنجاز يشكران عليه، ومكرمة ينالها هذا المواطن، إذ يدخل في ذمة حزب الله.

كلام الأخلاق في مسامع من يؤيد حزب الله هو تعزيز لمقام الحزب المعنوي. غير أنه، لدى من لا يرضى بالدور الذي أناطه هذا الحزب بنفسه وألزم الوطن به، هو تجريد للمواطن من حقّه وإلحاقه صاغراً بذمة حزب الله.

كلمة حسن نصر الله الأخيرة منطقية أخلاقية ذاتياً، ولكنها تعسفية استذمامية لدى من يسمعها خارج فرض التبجيل المحيط بالمتكلم وحزبه. فيها، عند هوامشها كماً، إشارات عابرة لقوة الحزب وقدراته وجبروته، من باب أن الحزب وأهله الصابرين يعوّلون طوعاً على الدولة، ولكنهم في حال تخلّفت هذه عن أداء المهام المطلوبة منها، يعتبرون أنه “لكل حادث حديث”، ليس من باب التهديد طبعاً، إنما التحذير والتنبيه.

بل هو التهديد الصريح، وهو منطق القوة النافي لكل ما سبقه من مزاعم العقل والأخلاق. حسن نصر الله يتهم من يرفض اختطاف لبنان والافتداء به في حرب إيران العالمية، بأنه صاحب مشروع حرب أهلية. هي حرب أهلية أخرى لن تقع، من وجهة نظر أمين عام حزب الله، لأنه، وفق ما أوضح بإسهاب، هو وحزبه قد انتصرا للتوّ، مستبدلاً منطق الحوار، بين فرقاء مختلفين بالسياسة ومتفقين على أسس الوطن، بمنطق التخوين والعمالة، ومستعيضاً عن منطق الحقوق الإلزامية بمنطق الأخلاق الاختيارية، مع التأكيد بأن سلوك الحزب قد يتبدل في حال لم يصل إلى مرامه عبر المؤسسات.

هو مشروع حرب أهلية وإن رمى غيره به. فائض القوة اليوم لصالح حزب الله، ولكن ذلك لا يعني استقرار الأمر له دوماً. ثمة مشروعان للبنان، أحدهما متضح، هو الممانعة الحاضنة للمنظومة، أي ربط مصير لبنان بالتوجه العقائدي لإيران في المنطقة مهما كان الثمن، مع إتاحة المجال أمام الطبقة السياسية الناهبة بالاستمرار وإن مع دفعها باتجاه بعض الإصلاح منعاً للانفجار بين الحين والآخر.

أما المشروع الثاني، وهو المطالبة باستعادة السيادة كاملة، وبالإصلاح البنيوي الذي يحقق الدولة الحديثة، وبالعلمانية الكاملة الصادقة الحافظة لحقوق الجميع، فله من يحلم به، وله من يريده. الطريق إليه شاقة وطويلة، لكنها واضحة المعالم. ولن تعترضها كلمات الأمين العام لحزب الله ولا استهدافه جميع معارضيه عبر استفراد القوات اللبنانية في استعادات متكررة لفصول الحرب الأهلية السابقة.

الخيار الذي يقدّمه حسن نصر الله في كلمته للبنانيين عامة، والمسيحيين خاصة، هو إما أن تعيشوا كما رعايا النظام القاتل في دمشق ذميين خانعين، أو أن تواجهوا حرباً أهلية ضروس ترحّل منكم من يصرّ على الرفض، تقتل أكثركم أذىً لنا، وتبقي من عدا هؤلاء وأولئك في وهم مساحة تضيق من القدرة على التنفس. هنا بالذات مشروع الحرب الأهلية القادمة.



الحرة