حنا صالح - الشرق الأوسط

عندما تحاصر «عدالة حزب الله» العدالة! – حنا صالح – الشرق الأوسط

ماذا فعل القاضي طارق البيطار، ليتم تخوينه وتولي أبواق نكرة تحقيره وشتمه؟ ولماذا إطلاق المزاعم عن ارتباطه بسفارات بعد التشكيك في قدراته المهنية والقانونية، مع أن قضاة كُثراً يتندرون بأن ما من جهة خارجية نفذت الاستنابات القضائية التي أرسلت إلى كثير من العواصم، فأوحت الردود أن الأقمار الصناعية قاطبة كانت تضع «برقعاً» لحظة ارتكاب جريمة الحرب ضد بيروت، والصور المتوفرة تغطي قبل التفجير وبعده!

ولماذا ترويج المزاعم أن ما أنجزه التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ وتدمير قلب بيروت، يأخذ البلد إلى الفتنة! وأن بيت القصيد في التحقيقات التي يجريها تندرج في سياق استهداف «حزب الله»، ليتهم أيضاً وعلى لسان حسن نصر الله بأنه «ديكتاتور»! وكيف أصبح إطلاق التهم ضده بـ«التسييس» و«الاستنسابية» نهجاً يجمع سياسيين متعارضين بالشكل، يهرعون لتقديم أوراق الاعتماد والمبايعة إلى صاحب الـ100 ألف رجل مدرب ومسلح وجاهز «لمنع الحرب الأهلية»!




لم يحدث في أي مرحلة سابقة، أن تستهدف المنظومة المافياوية، محققاً عدلياً بمثل ما يتعرض له اليوم القاضي طارق البيطار؛ إذ بلغ الاستهداف حد زج الشارع في قضية قضائية، وصولاً إلى طرح مقايضة خطرة، ألا وهي، هل تريدون استمرار البيطار في قضية المرفأ، أم تجنب الفتنة والحرب الأهلية؟ ولا يتركون للناس والبلد من خيار آخر، إلا وضعهم بين سندان تمييع التحقيق ومطرقة ارتكاب المزيد من الجرائم!

على مدى عقود لم يسبق أن أي واحدة من الجرائم الكبرى التي ضربت لبنان وقُيّدت ضد مجهول، أن أثارت اهتمام الأوساط الشعبية كما اليوم. ليتجاوز أهل الضحايا، وهم أولياء الدم، وألوف الجرحى، وعشرات ألوف العائلات المتضررة، إلى المواطنين في كل لبنان، وجدوا أن شجاعة قاضي التحقيق، وجرأته بوجه قوى الارتكاب، أحدثت صدمة إيجابية في الجسم القضائي ما منح الناس الأمل بأن زمن الإفلات من العقاب يمكن أن يتوقف، وزمن تباهي الطبقة السياسية بأنها فوق الحساب قاب قوسين أو أدنى من طي صفحته، وإعلان الرئيس نبيه بري يوماً أن «الضعيف وحده ينتظر حكم القضاء» قول يعود إلى زمن آخر!

والحقيقة كذلك، أنه في أي بلدٍ طبيعي تحت الشمس، كان استهداف القاضي يشكل جرماً جزائياً، ولا سيما لو كان بوضع ومسؤولية القاضي البيطار. الأكيد أن الاستهداف كان سيؤدي إلى تداعيات سلبية على الجهة السياسية المرتكبة هذا الجرم الفظيع. لكن نحن في لبنان، الدولة مخطوفة ومرتهنة بإرادة سياسييها النافذين، وكل الارتكابات مباحة، والسؤال ممنوع فكيف الحساب؟

منذ قانون العفو عن جرائم الحرب في العام 1991، الذي أسس لنظام المحاصصة الطائفي، بعد انتقال زعماء الميليشيات المتحالفين مع ميليشيات المال، من المتاريس إلى مقاعد الحكم، تم استتباع المؤسسات وتم القبض على البرلمان ومصادرة التمثيل الحقيقي للناس. جرى ابتداع أشكال من الحمايات والحصانات، فلم يُساءل مسؤول في أي يوم، ولم تُطرح ثقة بحكومة، ولم يُقَل مرتكب ولم يتم العثور على فاسد! كان القضاء تحت القبضة الغليظة للسياسيين، الذين احتجزوه وتحاصصوا التعيينات، وقضاة كُثر انخرطوا بقوة مع هذه المنظومة ونالوا المكافآت، والمثال وجود 3 قضاة في الحكومة الحالية، تم حفظ حقهم بالعودة إلى القضاء بعد انتهاء مهمتهم الوزارية، رغم ما يحمله ذلك من انتهاك لمبدأ فصل السلطات، خصوصاً أنه تمت تسميتهم في الحكومة كممثلين لجهات نافذة، فأي أحكام ستصدر عن المحاكم التي سيترأسون في المستقبل؟

إن التدخل السياسي في الشأن القضائي هو القاعدة رغم اعتراف بعضهم، عند الاضطرار، أنه أمر شاذ. في العام 1995 قال وليد جنبلاط «إن القاضي هو موظف عند السلطة السياسية، إن القضاء يتعرض لضغوطٍ سياسية، أنا سياسي وأمارسها، والسياسي الذي يقول غير ذلك يكون كاذباً». وقال رفيق الحريري في العام 2003 «هل هناك تدخل سياسي في القضاء؟

هناك إجماع بين الناس أن هناك تدخلاً سياسياً. بالطبع أنا أقول ذلك. وهذا الأمر لا يجوز أن يستمر». وفي العام 2018 سجّل الرئيس عون سابقة مصادرة التشكيلات القضائية، لأنها لم ترُق له، وامتنع عنوة عن إصدارها رغم أنه ليس جهة قرار بالموضوع!

وسط الانهيارات التي ضربت البلد، والسطو على الودائع، تم توجيه القضاء بالتحفظ على الشكاوى المقدمة من المودعين! وإذا بمئات الشكاوى مصيرها الحفظ، وأمعن الكارتل المصرفي بإذلال الناس. هم يعتبرون ذلك طبيعياً فالقضاء وفق رأيهم وُجِدَ لخدمة المتحكمين وتغطية ارتكاباتهم! وفاتتهم مسألة محورية؛ أن زمن ما بعد «17 تشرين» مغاير لكل ما سبقه! حدث المنعطف الكبير وخرج الناس من الانقسامات التقليدية، وتمظهر الصراع في البلد بين كثرة ساحقة من المواطنين في مواجهة تحكم ائتلاف «العائلات» الطائفية. وأظهر اجتماع اللبنانيين الذين كسروا «التابوهات»، أن بوسعهم الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم، رغم أنهم لم ينجحوا بعد في استعادة الدولة وتحرير المؤسسات، لكن الإثبات بيّنٌ من أن التغيير ممكنٌ وآتٍ ولن يتأخر!

بدت منظومة الحكم مرتاحة إلى حالة مراوحة الثورة، وتراجع شارع منهك تحت ضربات الإفقار والتجويع؛ لذلك هالها وجود قضاة تمردوا على الاستتباع! بدا الساسة كآل البوربون «لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً»، رفضوا أن ينتصر القاضي لحق المظلوم، وألا يهاب «الأقوياء» الساعين لمعاقبته بـ«القبع» كما هدد وفيق صفا المسؤول الأمني في «حزب الله»! وتلاه توجه نصر الله إلى مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للقضاء بطلب تنحيته! ورغم «اللعم» في حديث ميقاتي قال «على القضاء أن يصلح نفسه بنفسه»، في حين تبنى جنبلاط مقولات «التسييس» والاستنسابية»، وطالب فؤاد السنيورة «بحلٍ يرضي جميع الأطراف»! وليل الاثنين قال نصر الله «الوقت انتهى شوفوا شو بدكم تعملوا لأن استمرار البيطار لا يخدم البلد ولا الاستقرار»! وواضح لدى «حزب الله» حجم الهوة بين العدالة و«عدالته الثورية»!

ما زال البيطار في موقعه، وما زالت الألاعيب لتقييده ومنها ابتداع لجنة تحقيق نيابية تملك فيتو لإطاحته، وقد أدار الظهر للترهيب والتهديد، وتأسيساً على موقفه، بدأت العدلية بالعودة إلى الحياة والتأكيد أن العدالة ضمانة السلم وحقوق الجميع.

لكن الذين صعدوا إلى شجرة عالية، مشترطين إبعاد البيطار قبل النزول، فاقموا تعطيل البلد وشرشحة حكومتهم، وهم يريدونها لتعويض الغطاء السياسي العوني الممزق، ولأنها تفتح باب وصول مساعدات دولية تخفف وطأة وضع لا يمكنهم التهرب من المسؤولية عنه! يصعدون ويحرضون طائفياً لأنهم يعرفون ماذا يعني مثول أي كان من السياسيين أمام المحكمة، ويخافون الأبعاد التي ستنجم عن كشف المتسببين في تدمير ثلث بيروت، ويعرفون حجم مسؤوليتهم وأن سقوط الحصانات سيطالهم جميعاً: منظومة سياسية وحزبها الحاكم! وبالتالي ستستمر فصول الصراع الراهن وسيبقى الاستقرار مؤجلاً!