التهديد بشلّ الحكومة: سلاح ضد البلد

غسان العياش – النهار

حملت الساعات الأخيرة مؤشّرات تخفّف من احتمال شلّ عمل الحكومة نتيجة للخلاف حول مطلب إقصاء المحقّق العدلي في #انفجار المرفأ. قبل ذلك، بلغ الخلاف حول مهمّة القاضي طارق البيطار مستويات خطيرة ووضع لبنان، من جديد، على أبواب أزمة وطنية مفتوحة على أسوأ الاحتمالات.




لقد استفاضت التعليقات السياسية والإعلامية في تحليل مطالبة “الثنائي الشيعي” بعزل القاضي البيطار عن التحقيق، وتوسّعت في مناقشة تردّدات هذه المطالبة، وما أدّت إليه من نتائج سياسية وقضائية وصولا إلى مقتلة عين الرمّانة. ولم توفّر التعليقات المخاطر التي قد تترتّب على مسار الأزمة، لكنها لم تناقش بشكل كاف احتمال شلّ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي كما لوّح وزراء الثنائي الشيعي في الأسبوع الماضي.

ومن المفيد، ربّما، لفت نظر قطبي الثنائي الشيعي وسواهما إلى أن شلّ عمل الحكومة يؤدّي إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، الذي يتحمّل وزره بالدرجة الأولى فقراء الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، جنبا إلى جنب مع فقراء باقي المناطق اللبنانية. فالأجدر بالثنائي البحث عن أساليب أخرى لممارسة الضغط السياسي، بدلا من الأسلوب الذي يلحق مزيدا من الضرر بفقراء لبنان، ومعظمهم وصل إلى شفير الجوع.

شلّ الحكومة الفتيّة بعدما تأخّرت الدولة قرابة السنتين عن القيام بواجباتها لمواجهة الكارثة يعتبر اغتيالا لاقتصاد لبنان واغتيالا لمواطنيه، بدءا من الأكثر فقرا بينهم. فيما تخطو الحكومة خطواتها الأولى لتحقيق المطلوب منها على طريق الإنقاذ الطويل الأمد، فهي تتلمّس خطواتها الأولى تحضيرا للحوار المفصلي الذي لا غنى عنه مع صندوق النقد الدولي، فبدأت وزارة المال تفكر في الاطار المناسب لموازنة تعيد وضع المالية العامة على طريق الخروج من العجز والفوضى، وتوقف المشهد الكارثي الراهن، حيث يتمّ استيفاء الإيرادات بالسعر الرسمي السيّ الذكر وتنفق، شيئا فشيئا حسب سعر السوق. وتستعدّ الوزارة، كما يفترض، للحوار مع الدائنين بعد التوقّف غير المنظم عن تسديد الديون.

من أهمّ وأخطر المهام المنتظرة من الحكومة تحديد خسائر النظام المالي وتوزيعها العادل على الأطراف المعنية. وترتبط بهذه المهمّة استعادة الثقة بالنظام المالي ليتمكّن من مواصلة دوره في تمويل وإحياء الاقتصاد. كما ترتبط به حقوق المودعين في المصارف وإعادة ما أمكن منها لأصحابها. وهذا لا يهمّ الأغنياء فحسب، لأن المودعين يتوزّعون على مختلف شرائح المجتمع.

إن الاستمرار في إعادة هيكلة ميزانية المصارف ومصرف لبنان، بصورة عشوائية ودون خطّة على غرار ما جرى ويجري منذ تشرين الأوّل 2019 هو اغتيال تدريجي ممنهج لحقوق المودعين.

ولإثبات هذه الحقيقة لن نذهب إلى المراجع والاجتهادات الليبرالية، بل إلى دراسة صدرت قبل أيام عن “المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق” وهو هيئة استشارية لصيقة بحزب الله.

فقد عقد المركز في الشهر الماضي حلقة نقاش افتراضية حول هيكلة القطاع المصرفي بحضور عدد من الخبراء الجدّيين. وخلال الندوة قدّم رئيس المركز الأستاذ الجامعي الرصين عبد الحليم فضل الله دراسة تضمّنت في أحد عناوينها سيناريو إعادة هيكلة المصارف دون خطّة إصلاحية ومع تجاهل الحدّ الأدنى من المعايير الدولية لإدارة المخاطر المصرفية، وقد سمّاه خيار الأمر الواقع. يقوم هذا الخيار على تذويب خسائر المصارف التجارية وتصحيح ميزانياتها دون إصلاحات، فاعتبر أن ذلك ينطوي على تعدّ على حقوق المودعين بحرمانهم من سحب ودائعهم بسعر صرف عادل وإنهاك موازنة مصرف لبنان وتدمير القدرة الشرائية للمواطنين اللبنانيين. وتمّ ذلك استنادا إلى تعاميم مصرف لبنان التي سمحت بتحويل ودائع الدولار إلى الليرة بسعر صرف يقلّ كثيرا عن السعر الواقعي فتكبّد المودعون خسائر بلغت خمسة مليارات دولار خلال 14 شهرا منذ نيسان من العام الماضي . في الوقت نفسه حرّرت المصارف ميزانياتها من التزامات تجاه المودعين تقارب 20 مليار دولار منذ تشرين الأول 2019 وحتى الآن.

لعلّ في هذه الدراسة وأرقامها بعض الأجوبة على تهديد حزب الله بشلّ الحكومة في الظروف الراهنة.