سمير عطا الله

زمور – سمير عطالله – النهار

ظلَّ #غسان تويني حتى أيامه الأخيرة يتمتع بالكتابة من #باريس كما لو انه يزورها في سنواته الأولى. وكان يطيب له أن يبدو وكأنه مراسل و”صحفي” يكتب من المدينة التي أحبها وشغفته لغتها واستهوته مسارحها وعشق التماهي مع صحافتها وصحافييها. وفيها فقد، فيمن فقد، الإبن الأصغر، مكرم، في حادث قدري، لا في جريمة مهرجانية.

كانت باريس له هي المهرجان: “مهرجان دائم، إذا عشت فيها مرة تنقّلتْ معك أنّى ذهبت” كما قال ارنست همنغواي. وبعد بيروت، عشقه المولود، كانت باريس عشق الاكتمال. توأمان، وُلدت إحداهما قبل الأخرى.




كلما كتبتُ من باريس، يرافقني ظله الطويل. ظل المعلم الذي كلما حاولتَ اللحاق به تراه مرتسماً أمامك يزداد مدى وبُعداً. “وهنا في باريس”، كما كان يكرر في جملته الاثيرة، مصطنعاً تواضعاً إنما يؤكد هامته، هنا كنت ارافقه في تغطية أحداثها وأضوائها، وكأنما قرّاء “النهار” يتابعون “مدينة النور” بالاهتمام الذي يتابعون به شؤون “باريس الشرق”. ذلك لقب شائع لم يكن كثيراً ولا فضفاضاً على بيروت. فالتشبه، يحتمل المغالاة، لأنه لعبة الرمز. وكم كان يفرح، ويلاعب ساعة الجيب وسلسلتها الطويلة مثل طفل، عندما تسمي الصحافة الفرنسية “النهار” “الموند” اللبنانية. ومع ان مرتبته العلمية ارتبطت بهارفارد، ظل يفاخر بيوم كتب الشعر صغيراً، بالفرنسية. وظل يكتب اشياءه الشخصية بالفرنسية. وظلت النماذج التي يريدها، كبار فرنسا، أو ساحراً مثل جورج نقاش، مورياك الصحافة الفرنسية في لبنان، يوم كان.

لا استطيع إلا ان افتقده. فظله الطويل يسبقني في كتابة الرسائل الصحافية: في باريس. في لندن. في نيويورك. في كيبيك. في الرياض. في دبي. في القاهرة. حتى بعدما تركت العمل الدائم في “النهار” رفض أن يقبل الأمر، أو أن يقبل الاعتذار. مثلما هي باريس مهرجان متنقل، كذلك هي “النهار”. وبرفقته. وعلى سرعته، ويا ساتر.

تحية لروحك من باريس. لقد بدأت معركة الانتخابات الرئاسية وما اكثر الغائبين، خصوصاً ممن كنتَ تحب، لا ديغول، لا ميتيران، لا شيراك. صديقك وزميلك جان لاكوتير غاب من دون بديل. الأسماء المتألقة التي كنت تهفو اليها في الصحف قبل القهوة، لم تعد.

إنها الدنيا التي تغيرت على نحو من الفراغ والحموضة. ولقد نجت، كما تعرف، من سفينة الغرق السفيه مع دونالد ترامب، ولم تفقد ما بقي لها من مستويات مع سقوطه. فقد بدا، لوهلة مرعبة، انه سيمنح الشرعية لما سمّته حنة ارندت “تسخيف الشر”، وان الديموقراطية شيء لا تستحقه اكثرية الناس. ولا حتى جوهرتها، الحرية. فقد انتخبت أميركا، وهي على العرش الاول في العلم والمال والفكر والتكنولوجيا، رجلاً من دون اي سيرة، تاجر عمارات وضع كتاباً واحداً سمّاه “الصفقة”. أي العمل الخالي من أي رادع أو وازع او رحمة. كان يمكن لمثل هذا النموذج ان يصبح أمراً مألوفاً. أي ان يصبح الفرد المجرَّد من كل اسس، ظاهرة شعبية وقاعدة جماعية. وأن تلحق الجماهير مخرّبها ومفقرها ومدمر حياتها، كما حدث غير مرة. عصور الحواة لا تكف عن التناسخ. وعندما يستفيق هذا النوع من المخدرين، يجد نفسه في الدائرة التاسعة من جهنم. كل أوان قد فات وكل باب اغلق. ومن السهل اخراج معجون الاسنان، لكن من المستحيل إعادته.

الظاهرة الانتخابية في فرنسا هذه المرة ليست جان – ماري لوبن، ولا ابنته. فقد عثر اليمين في شخص الاعلامي ايريك زمور على من هو اكثر تهوراً وعنفاً وفصاحة. ومثل جميع الايديولوجيين، لا فسحة للنقاش مع منطق “الفرنسي الجزائري العربي اليهودي” كما يصفه الكاتب الجزائري كامل داود. وبرغم ما يبدو زمور مسلياً لعدد متزايد من الفرنسيين، فهو عود ثقاب ضخم في بلد لا يزال تاريخه “الاستعماري” طرياً. تاريخ في حاجة إلى نسيان لا إلى زمور يومي. فالزمور عبث صبياني تهريجي لا يبني امماً ولا يوقظها. نغمة قصيرة النظر، قصيرة الايقاع. مكررة. وقد عادت اثارة الموضوع الجزائري، أو الاسلامي، من نوافذ كثيرة في غياب العديد من قامات العقل والرؤية والخلاص. ويحاول ايمانويل ماكرون ملء ما استطاع من هذا الفراغ التاريخي. وحتى الآن لا يبدو له منافسون جديون، ويستبعد ان تتكرر ظاهرته. أي ان يأتي فجأة رجل من خارج النطاق السياسي ويضع جميع التقليديين خلفه.

ظاهرة عامة ومؤسفة. غياب الكبار في اليسار واليمين والوسط. خصوصاً في الغرب، فيما يمضي بوتين وجيانغ تسي مُكتَسِحَين في الشرق الأكثر ازدهاراً وقوة في تاريخهما. بينما ترى فرنسا نفسها مرة اخرى امام تحقق النبوءات الديغولية: تخلٍ أميركي، وخداع بريطاني، وحلف اطلسي على وشك اعلان افلاسه. افلاس من لا يملك شيئاً. في أي حال منذ 1949 قال ديغول إن هذا حلف لا لزوم له. وقال إن بريطانيا ليست أوروبية القلب والهوى.

ولما رأى ايمانويل ماكرون أميركا وبريطانيا وأوستراليا تستنكر فرنسا، لا بد انه اول ما تذكّر ديغول الذي قال انه لا يعرف متى تسحب أميركا المظلة النووية من فوق رأس فرنسا، ولذا، لا بد ان يكون لها قوتها الضاربة الخاصة.

آه، يا استاذ، كم تغيرت فرنسا. لذلك عندما بناها البارون هوسمان، كان في نيته ان تحتفظ بجمالها، مهما تغيّر عليها الرجال. وقبل اسابيع لفَّت قوس النصر كي تكحله من جديد في حياء الستر. وغسلت بعض الحجارة الامبراطورية. وتحت شمس خريفية لطيفة ومنعشة، تزاحمت سيارات الفرنسيين كالعادة في جنون، حول مسلّة الكونكورد. أنا واثق أنك كنت ستبتسم للمشهد وانت عائد من قهوة بعد الظهر في ردهة “الموريس”، او متبضعاً آخر الكتب من “غالنياني”، ومكرراً دائماً بخبثك الطيّب: هل تعرف ان هذه اول مكتبة انكليزية على ارض القارة الأوروبية، ساخراً مني، وكأنني لا اعرف قراءة اللافتة على مدخلها!

تليق بك المكتبات. ودور السينما التي كنت تذهب اليها لكي تبكي مكرم دون ان يراك احد. ثم جبران. وأنا عندما اسأل جبران عن اخباره، يقول، على طريقتك في الغاء الفعل الماضي من اللغة “عم ساوي سيارة مكرم الجاغوار”.

وماذا اخبرك عن باريس بعد؟ كما تركها هوسمان. مع زيادة في سيارات الباريسيين. لكن المدام هيدالغو رئيسة البلدية، سوف تحوّل المدينة إلى حدائق للمشاة. ويسمّونها هنا “المدام مير” مؤشرين إلى قوتها، مثل ام نابوليون. ولم يعد نابوليون يظهر على الفرنسيين في الاماكن العامة. ولا عادوا يخاطبون روحه. ولا ادري ماذا حدث للسيدة قارئة الابراج، التي كان فرنسوا ميتيران يستقبلها ثلاث مرات في اليوم، ويستشيرها في شؤون الدولة. لكن هؤلاء هم الفرنسيون، كما تعرفهم. مرة ديكارت واحكام المنطق وتشذيب الخرافات، ومرة يذهب ميتيران إلى دنيا الفراعنة، بناءً لمشورة قارئة الاليزيه. هذه باريس، تخرج مرة إلى وداع فيكتور هيغو بالملايين، ومرة كي تهتف للمسيو زمور. ولا داعي لأن اذكّرك، ان هيغو، كان ايضاً يؤمن بالارواح، ويشارك في تحضيرها.