انفصال وتقسيم في لبنان – نديم قطيش – الشرق الأوسط

يشهد لبنان نزعات «انفصالية» عربية عنه وعن مشكلاته، ونزعات تقسيمية في الداخل.

تصريحان خليجيان يؤكدان المنحى الانفصالي هذا بعد طول رعاية واحتضان ما عادا على أصحابهما إلا بخيبات الأمل.




الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، قال خلال مؤتمر صحافي عقده مساء الجمعة في واشنطن: «قلقون بشأن الوضع السياسي والاقتصادي في لبنان، وهو يتطلب التحرك الآن». وأضاف: «أحداث اليومين الماضيين تظهر أن لبنان بحاجة إلى تغيير حقيقي وجاد، والمسؤولية تقع على عاتق الزعماء». أي إن التغيير يأتي من الداخل أولاً. والتغيير الجدي وحده ما يعيد العرب إلى لبنان. التغيير ببساطة هو تغيير المعادلة القائمة التي؛ من دون أن يسميها الوزير السعودي، هي معادلة «نظام حزب الله»، الذي يحكم السيطرة على حلفائه ويقيم علاقات استتباع بخصومه إلا فيما ندر.
أما وزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد، فقال من واشنطن أيضاً، إن بلاده لن تقبل بوجود «(حزب الله جديد) على حدود السعودية».

هذا هو لبنان في نظر أصدقائه العرب، والدول الراغبة بصدق في مساعدته، والدول القادرة حقاً على الوقوف إلى جانبه للخروج من محنته.

إنه بلد تحكمه نخبة عاجزة وخاضعة لـ«حزب الله»، يستحيل في ظل وجودها «التغيير الحقيقي والجاد الآن»… وبلد هو المثال المرفوض تعميمه في المنطقة واستنساخ ميليشياه الرئيسية على حدود السعودية مع اليمن أو حدود السعودية مع العراق.

الانتباه إلى هذين التصريحين ومقاصدهما يغني عن متابعة كل التسريبات البائسة واليائسة حول زيارات مرتقبة لزعماء لبنانيين؛ تحديداً إلى الرياض، ويضع الجميع أمام الشروط الموضوعية لإعادة تفعيل علاقات لبنان العربية في اتجاه منتج له وللآخرين.

فما دام «التغيير الحقيقي» ممنوعاً، وما دام لبنان «مصدراً لميليشيا تشبه ميليشيا (حزب الله)»، فستتعزز «النزعة الانفصالية» العربية عنه وعن مشكلاته.

بالتوازي؛ تزدهر في لبنان منذ فترة أفكار وطروحات تتراوح بين الفيدرالية والتقسيم. فمن لا خيار لديه بالهجرة، ولا يريد العيش في ظل «نظام حزب الله»، يجد نفسه مدفوعاً باتجاه طلب التقسيم، هرباً من سطوة الميليشيا وطلباً لما يمتنع تحقيقه في ظل الميليشيا؛ من ازدهار واستقرار وشروط طبيعية للعيش.

الاشتباكات الأخيرة عند خطوط التماس الأصلية للحرب الأهلية اللبنانية، هي إعلان ناري باتجاه التقسيم. تعبير حماسي وعصبي عن فرز أولي للمناطق، بين تلك التي يحكمها «حزب الله»، وتلك التي من غير المسموح له بأن يفرض شروطه فيها أياً تكن النتائج. قبل عين الرمانة، عبَّر الدروز مرتين عن رغبات تقسيمية: أولى ببلدة شويا في حاصبيا، حيث اعتقل الأهالي مجموعة مسلحة من «حزب الله» في طريق عودتها من مهمة رمي صواريخ باتجاه إسرائيل، وثانية حيث تجمع أهالي إحدى بلدات جبل لبنان وأحرقوا عبوات «المازوت الإيراني» الذي جاء به «حزب الله» إلى لبنان لتدبير حل استعراضي لأزمة المحروقات. وبين الدروز والموارنة، شهر السُنّة أسلحتهم في وجه «حزب الله» ببلدة خلدة الساحلية مطلقين النار على جنازة لأحد مسؤولي «حزب الله»، كان اغتيل في المنطقة قبل أيام في سياق صراعات ثأرية وعلاقات هيمنة وإخضاع يمارسها محسوبون على «الحزب». ويعيد هذا الحادث إلى الذاكرة الانتفاضة المسلحة الأولى والمبكرة ذات الصبغة السنية في وجه هيمنة «حزب الله»، والتي قادها الشيخ أحمد الأسير في صيدا، وانتهت باشتباكات دموية وباعتقال الأسير وتفكك مجموعته.

هذا مسار بدأ سياسياً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وصار عسكرياً مع اجتياح «حزب الله» بيروت وجبل لبنان في مايو (أيار) 2008، وتكثف مع دخول «حزب الله» على خط القمع الدموي للثورة السورية.
لو خُير معظم اللبنانيين؛ لاختاروا العيش بعيداً عن «حزب الله» ودويلته. التقسيم هو القاسم المشترك اليوم بين الطوائف اللبنانية، والحل المغري للمتمسكين بشيء ما من لبنان.

أما المجموعات المدنية الحالمة بلبنان واحد يتجاوز العصبيات المذهبية، ويكون قابلاً لحياة محكومة بمساحات مشتركة واسعة بين أبنائه ذات قواعد قيمية وقانونية واحدة، فبدت غريبة في الذكرى الثانية للثورة قبل أيام. هؤلاء الآتون من كل الطوائف والمناطق، يجمعهم مطلب العدالة بحق المرتكبين، والذاهلون بصدق عن هويات المسؤولين والمتهمين وطوائفهم، كانوا غرباء ومعزولين بعد أن ملأوا الساحات طوال سنتين بأبهى الصور المدنية اللبنانية الصادقة والأصيلة واللافلكلورية.

لقد نجح «نظام المافيا والميليشيا» في التغلب عليهم، وقهرهم، وعزلهم. ولئن كان «حزب الله» هو الأكثر جلافة في التعبير عن هذه النوازع والاستعدادات، فإن بقية الطوائف كانت صنوه في حماية «متهميها» أو احتماء «متهميها» بها، وتصعيد الهويات الطائفية لتأكل كل ما عداها.

لا تغيير حقيقياً في لبنان لا يبدأ من فكفكة نظام «حزب الله»، وهو ما تتولاه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بأثمان باهظة على اللبنانيين. فـ«الحزب» لا يؤسس لدويلته فحسب؛ بل ينقل عدوى المذهبة إلى الطوائف الأخرى، على نحو «متحور» وأشد خطورة.