فورين أفيرز: امتلاك القنبلة النووية سيرتد سلبا على النظام الإيراني

حذر ري تاكيه، الزميل البارز في كرسي حسيب صباغ لدراسات الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية، إيران من تداعيات امتلاك القنبلة النووية عليها.

 وقال في مقال نشرته دورية “فورين أفيرز” إن إيران ستواصل العمل للحصول على القنبلة النووية وستندم على هذا. فبعد سنوات من التوتر العالي والدبلوماسية المتقطعة بات من الواضح أنه لن يكون هناك حل دبلوماسي للموضوع النووي الإيراني.




ورغم تأكيد الرؤساء الأمريكيين ورؤساء الوزراء الإسرائيليين أن كل الخيارات مفتوحة على الطاولة إلا أن أيا منهم لن يستخدم القوة العسكرية الواضحة. وحان الوقت لتصور عالم تملك فيه إيران السلاح النووي. ويقول إن نقاد النظام الديني في طهران عادة ما يصورون سيناريو حصوله على القنبلة النووية بأنه كابوس. وفي الحقيقة قد تكون إيران النووية نهاية الجمهورية الإسلامية. فالحصول على القنبلة النووية لن يرتد عكسا على النظام فقط ولكن على الدولة الإسلامية، ذلك أن الولايات المتحدة ستعيد ضبط سياستها الخارجية والتركيز على الجمهورية الإسلامية نفسها وليس على منشآتها النووية فقط. ولن تعطي الترسانة النووية ما ترغب إليه طهران ولكنها ستجد نفسها فيما بعد أكثر عرضة للمخاطر من ذي قبل.

 فمنذ عام 2005 تعهد أربعة رؤساء أمريكيين بحل المشكلة النووية الإيرانية، ولم تنفع لا الدبلوماسية أو التهديدات العسكرية الصريحة أو الأعمال السرية في الحد من نمو المشروع الإيراني علاوة على بطئه. ولا شك أن إيران التي تبني ومنذ عقود أبحاثا سرية وانتاجا نوويا قد تقوم بتخصيب كميات كافية من اليورانيوم لاختبار سلاح نووي.

والرجال المتشددون في إيران المتشككون بأهداف الولايات المتحدة والنظام الدولي الذي تقوده، ملتزمون بتحقيق الهيمنة الإقليمية ولن يوقفهم أي شيء للحصول على القنبلة النووية، فالجمهورية الإسلامية ليست اليابان.

وبعد اختبار إيران القنبلة النووية ستكون هناك لعبة تلاوم، وستكون سمعة أمريكا في حالة يرثى لها وسيبدأ حلفاء وشركاء أمريكا بالمنطقة بالشك من التزامات واشنطن وقدرتها على حمايتهم. وستبدو إيران في أعلى درجات قوتها. لكن إيران ستكتشف الحقيقة كما اكتشفت هذه الدول النووية بمن فيها الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي السابق: من الصعب ترجمة القدرات الذرية إلى منفعة استراتيجية.

وقضى الملالي في إيران عقودا في متابعة القنبلة، وتغلبوا على العزلة الدولية والعقوبات وحملات الاغتيال والتخريب، وسيحاولون الدفع من أجل تأكيد منفعتهم كقوة نووية. وسيلوحون بترسانتهم ويحددون شروطهم ومطالبهم، مثل الإصرار على انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة وتحديد أسعار النفط بما يناسبهم.

لكن ماذا سيفعلون لو تم تجاهلهم؟ وماذا سيحدث لو ردت اسرائيل والسعودية وبدعم غير مشروط من واشنطن بالرد على الاستفزازات الإيرانية بنوع من آخر من التصميم؟ ومن المشكوك فيه أن تخاطر إيران بالمحو من خلال استخدام ترسانتها النووية.

ولن تؤدي القوة النووية التي حاولت طهران الحصول عليها لتجسيد هيمنتها في المنطقة إلا لتغيير مدروس في القوة الإيرانية. وكل هذا يعتمد بالطبع على الطريقة التي سترد فيها الولايات المتحدة على الاختبار النووي الإيراني. وعلى الرئيس الأمريكي إلقاء خطاب يؤكد فيه على عدم تغير شيء في المنطقة بعد حصول دخول إيران النادي النووي وأن واشنطن لا تزال ملتزمة بالدفاع عن حلفائها. كما ويجب أن تحذر واشنطن طهران بأنها ستكون مسؤولة عن استخدام أو نقل السلاح الجديد الذي امتلكته.

ولقرن القول بالفعل على الولايات المتحدة نشر سفن نووية في منطقة الخليج بل ووضع صواريخ برؤوس نووية مدارة أمريكيا في دول الخليج. وستكون هناك لحظات من الشد والتوتر ولكن على الولايات المتحدة إظهار نوع من التسامح مع المخاطر. وفي حالة حصول إيران على السلاح النووي، فمهمة تحييدها واحتوائها لن تكون مهمة أمريكية فقط، وعلى واشنطن قيادة إجماع دولي ضدها. وعلى الولايات المتحدة وحلفائها فرض عقوبات مشددة على طهران وعزلها ودفع الأمم المتحدة فرض عقوبات عليها. وهي بحاجة أيضا لإقناع حلفائها في أوروبا لقطع علاقتهم مع إيران وعزلها. كل هذه الجهود لن تغلق كل طرق التجارة مع طهران، فستواصل الصين شراء نفطها، لكن على اليابان وكوريا الجنوبية التوقف. وتحتاج الولايات المتحدة لتجريد إيران من قدرتها على عقد علاقات تجارية ومنعها من استخدام النظام المصرفي المالي العالمي أو استعادة أموالها من الخارج. وهو ما يدفع النظام للمقايضة ولا يمكن لأمة مكونة من 85 مليون نسمة مواصلة العيش بهذه الطريقة للأبد، وقد لا تركع الجمهورية الإسلامية لكنها ستتحطم.

وربما اعترض البعض أن السياسات هذه لم تحطم كوريا الشمالية بعد امتلاكها للسلاح النووي عام 2006، لكن المقارنة هذه تتجاهل الفروق بين البلدين. فعلى خلاف كوريا الشمالية، لدى إيران تاريخ غني في الاحتجاج والثورات التي أطاحت بحكومات. والسياسة والمجتمع في إيران ليسا بنفس الصرامة كما في كوريا الشمالية. فالنظام في طهران وحشي وقمعي لكنه لا يمارس درجة من السيطرة كتلك التي يمارسها النظام في بيونغ يانغ. وستؤثر القنبلة التي يريد الملالي تعزيز هيمنتهم على المنطقة الطموح نفسه، فربما سرع امتلاكها من سباق نووي مع الجيران. فمن الصعب تخيل أن تقف السعودية متفرجة أمام جارتها وهي تلوح بالقنبلة النووية، وربما تحركت تركيا التي تريد الحفاظ على موقعها في المنطقة. وسيصبح الشرق الأوسط منطقة مشتعلة وإيران أقل أمنا.

وفي ظل هذا السيناريو فسيلعب عامل السياسة المحلية الأمريكية دورا، فلم يؤد موضوع دولي لتقسيم الجمهوريين والديمقراطيين في السنوات الماضية مثل الملف النووي الإيراني. ولطالما انتقد الديمقراطيون الجمهوريين ووصفوهم بدعاة حرب تخلوا عن منطق التحكم بالسلاح النووي.

 وفي الوقت نفسه اتهم الجمهوريون الديمقراطيين بأنهم أداة ترضية. وفي ظل حل المشكلة النووية فسيكون لدى الحزبين محفزا للعمل معا. ولن يخفف الجمهوريون الذين مارسوا التشدد من عدواتهم لإيران، فيما سيحاول الديمقراطيون التشدد خشية الا يتهموا بترك إيران تواصل جهودها النووية. وفي هذا السياق فسيظهر اجماع يعزز مواجهة وتقويض الجمهورية الإسلامية. وبعد التخلص من الانقسام فستجد واشنطن فرصة للتركيز على طبيعة النظام الذي يقمع مواطنيه ونصب مجرما كرئيس. فالتقزز من سجل النظام الفظيع في حقوق الإنسان سيزيد على طرفي الكونغرس ويدفع للتعاون لإضعاف النظام بالطرق السرية والعلنية. ولن يتحول الديمقراطيون وبخاصة الليبراليون منهم لدعاة تغيير النظام، بين ليلة وضحاها، لكن حصول الملالي على القنبلة النووية سيلغي فكرة تعديل النظام لو تعاملت أمريكا معهم بنوع من اللطف.

وسيعرف الساسة الأمريكيون أن إيران نووية تعني صعوبة الخروج من الشرق الأوسط أو موازاة السياسة باتجاه آسيا.  ولأسباب سياسية وعسكرية لن تكون أمريكا قادرة على إظهار قوتها أمام إيران إلا من خلال وجود عسكري واضح في المنطقة.

 وفي النهاية سيكون النظام الديني هو الضحية للقنبلة النووية التي عانى من أجلها العزلة والعقوبات الدولية وأنفق عليها مليارات الدولارات. وعندما يكتشف النظام أنها لم تؤد لمنافع استراتيجية وفاقمت من الأوضاع الاقتصادية فستواجه وضعا محليا متفجرا. وفقدت الجمهورية الإسلامية الكثير من شرعيتها عبر الانتخابات المدبرة والأداء الاقتصادي الفاشل والرد السيء على الوباء. وعندما يكتشف النظام أن ما وعد به الجماهير من قوة إيران عبر الذرة لن يتحقق فسيكون الرد الغاضب كبيرا ومغرقا. والشعب الإيراني ليس خانعا تقبل انتهاكات حكومته، فقد خرج للشوارع في الأعوام الماضية. وسيحاول النظام قمع الجماهير التي تريد الإطاحة به، لكن سيواجه المعضلة التي واجهها منذ نشوئه، ففي الوقت الذي ستقوي فيه القنبلة النووية القوى المعادية للنظام في واشنطن فإنها ستعزز من المعارضة ضد الملالي في الداخل. وربما اعترض البعض أن سقوط النظام لن يغير من حقيقة تهديد إيران نووية على جيرانها، وهذا صحيح إلا في حالة ظهور النظام الجديد من بوتقة المعارضة التي ستركز على إصلاح الوضع الداخلي وإعادة العلاقات مع المجتمع الدولي والالتزام بالأعراف الدولية. وقد تقوم الحكومة الجديدة بوقف المسار النووي للتعامل مع المشاكل العديدة التي تواجه إيران، والتعلم من أخطاء النظام الحالي وهي أن ثمن الحصول على السلاح النووي تتفوق على منافعها.