اشتباكات بيروت وإرث الحرب الأهلية – هشام ملحم – الحرة

الاشتباكات الدموية التي وقعت يوم الخميس الماضي في بيروت بين عناصر تنتمي إلى التنظيمين الشيعيين حزب الله وأمل، وعناصر تنتمي إلى حزب القوات اللبنانية وأدت الى مصرع 7 أشخاص وجرح أكثر من 30 شخصا تعتبر من أخطر الاشتباكات الأهلية منذ احتلال حزب الله لمعظم القطاع الغربي من العاصمة اللبنانية في 2008، وأعادت لأذهان العديد من اللبنانيين أشباح وكوابيس الحرب الأهلية بين 1975 و1990. معظم المحللين لا يتوقعون حربا أهلية جديدة، ويمكن القول إن معظم قادة لبنان، بمن فيهم قادة القوى التي سفكت الدماء الأسبوع الماضي لا يريدون بالضرورة استئناف الاقتتال الأهلي. المجتمع اللبناني اليوم، بعكس 1975 منهك وشبه مشلول اقتصاديا وماليا، ومشرذم اجتماعيا وأكثرية اللبنانيين من مختلف الخلفيات الدينية والاجتماعية غير مستعدة للقتال لصالح طبقة سياسية أذلتهم وأوصلتهم إلى حافة الجوع حيث يستعطي اللبنانيون المساعدات الإنسانية من مجتمع دولي لا يثق بطبقة مفترسة.

ولكن في الأيام القليلة التي تلت الاشتباكات وفي الوقت الذي كان يتم فيه دفن القتلى ومعالجة الجرحى في المستشفيات، رجعت القوى المعنية بالاشتباكات، كما تفعل كل القوى اللبنانية في مثل هذه الحالات إلى اعتماد “الموقف الافتراضي” default position أي العودة إلى التعبئة الطائفية والتي أصبحت جزءا عضويا من تقاليد النزاعات بين الفئات اللبنانية. لا زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ولا زعيمي حزب الله وحركة أمل، حسن نصرالله ونبيه بري تحدثوا عن حرب أهلية جديدة – جميعهم ينبذون ذلك – ولكنهم تعاملوا، وغيرهم من الزعامات اللبنانية مع الاشتباكات من منظور طائفي ومن الإرث الثقيل للحرب الأهلية.




تظاهرات أنصار حزب الله وحركة أمل كانت جزءا من الحملة الشرسة التي يقودها التنظيمان ضد التحقيق الذي يقوم به القاضي طارق بيطار في الانفجار الهائل الذي دمّر مرفأ بيروت وأحياء كبيرة في بيروت الشرقية في الرابع من أغسطس 2020، وأدى إلى مصرع أكثر من مئتي مدني وجرح الآلاف. ويوم الاثنين الماضي خصص زعيم حزب الله حسن نصرالله جزءا هاما من خطاب له ضد القاضي بيطار حين كرر المطالبة بعزله بحجة أنه يقوم تحقيق “مسيّس”. وكان القاضي بيطار قد أصدر مذكرة توقيف بحق القيادي في حركة أمل ووزير المالية السابق علي حسن خليل الذي رفض المثول أمامه.

وكانت ضغوط حزب الله وأمل وسياسيين آخرين من خلفيات سياسية وطائفية أخرى قد نجحت قبل أشهر في إقالة القاضي فادي صوّان الذي بدأ التحقيقات، بعد أن توصل إلى وثائق تؤكد أن أكثرية من السياسيين والمسؤولين الأمنيين اللبنانيين كانوا يعرفون بشحنة الأمونيوم نايتريت الضخمة في المرفأ وكيف تم تخزينها بشكل عشوائي، وأن سلوكهم يرقى إلى مستوى “الإهمال الجنائي”. حملة حزب الله وأمل، وحقيقة أن زعيم حزب الله هو الذي يقود شخصيا وعلنا الحملة ضد القاضي بيطار عمقت شكوك الكثير من اللبنانيين أن حزب الله وأمل، يقومان بالنيابة عن قسم كبير من الطبقة السياسية الفاسدة بمحاولة قتل التحقيق لإخفاء الحقائق. من المنظور الطائفي المتجذر في الذاكرة الجماعية للبنانيين، أكثرية ضحايا انفجار مرفأ بيروت وممتلكاتهم هي أكثرية مسيحية، وبالتالي أي محاولة للتغطية على المسؤولية القانونية والاخلاقية لانفجار المرفأ موجهة، من هذا المنظور ضد الضحايا المسيحيين وعائلاتهم.

لا نعرف بثقة كاملة جميع ملابسات الاشتباكات، ولكن ما هو واضح أن هناك قرار من حزب القوات اللبنانية بالتصدي لأي عناصر من حزب الله وأمل تدخل إلى الأحياء التي تسكنها أكثرية مسيحية ووقف أي محاولات ترهيب (هتافات استفزازية من نوع “شيعة، شيعة”) أو تخريب مادي للممتلكات. ما لا نعرفه بيقين هو ما إذا كان القرار هو التصدي السياسي والشعبي، أم مزيج من الردع الشعبي والنشاط العسكري المحدود. إذا كان القرار يشمل الاستخدام المحدود للقوة، فهذا تصعيد غير مألوف من حزب القوات اللبنانية، ضد انتهاكات وترهيب يقوم به أنصار حزب الله وأمل ضد خصومهم بشكل دوري كما رأينا في 2008، وفي 2018 و2019. وإذا كان التصعيد القواتي يشمل استخدام السلاح ولو بشكل محدود وتحذيري، فهذا يطرح أسئلة جديدة ومقلقة حول حسابات حزب القوات اللبنانية، (سوف يبين الزمن إذا كانت متهورة أم لا) ومتى استعداده لاستيعاب ردود حزب الله وأمل، وكيف يتوقع ردود فعل التنظيمين، إضافة إلى ردود فعل خصومه المسيحيين، أي حزب الرئيس ميشال عون، التيار الوطني الحر، المتحالف مع حزب الله.

في المستقبل القريب سوف يتركز الاهتمام على ما سيفعله حزب الله وحركة أمل للرد على حزب القوات اللبنانية، ولحسم مستقبل تحقيق القاضي بيطار. هل سيجازف حزب الله سياسيا بتصعيد عسكري ضد القوات اللبنانية، وهو الذي يملك القوة العسكرية الأكبر في لبنان، أم هل سيضبط سلوكه لكي لا يلحق الأضرار بحليفه رئيس الجمهورية وحزبه؟ ردود الفعل الأولية تبين أن الاشتباكات وضعت الرئيس عون وصهره جبران باسيل ذو الطموحات الرئاسية في وضع صعب ودفاعي في “الأوساط المسيحية”، ووضعت سمير جعجع في موقع “المدافع” عن حقوق المسيحيين.

صحيح أن حزب الله قادر على فرض سيطرته العسكرية على مناطق كبيرة في بيروت وخارجها، ولكن هل يريد أن يجازف بتأليب القوى والطوائف اللبنانية الأخرى مثل السنّة والدروز ضده، خاصة وأن رصيده في هذه الأوساط هو دون الصفر؟ هذا قد يكون من بين حسابات قيادة حزب القوات اللبنانية، ودافع اساسي لكي تضع أمام الحزب وحركة أمل خطوطا حمراء جديدة ابرزها: اقتحام المناطق المسيحية سوف يكون له ثمن من الان وصاعدا.

التقويم الأولي للانتخابات النيابية العراقية في المنطقة علّق أهمية كبيرة على التراجع المحرج لحلفاء وعملاء ايران في العراق الذين خاضوا الانتخابات كممثلين لميليشيات الحشد الشعبي التي تسلحها وتمولها ايران. خصوم إيران في لبنان وسوريا والعراق رأوا في نتائج الانتخابات نكسة سياسية جدية لإيران ولميليشياتها في المنطقة.

حسابات قيادة حزب القوات اللبنانية قد تكون خاطئة، إذا استمر أو تفاقم التوتر الطائفي، حتى موعد الانتخابات النيابية في السنة المقبلة، واستغل حزب الله هذا التوتر لتأجيل الانتخابات النيابية، ما يعني أن حزب الله سيحافظ على أكثريته الراهنة في برلمان ضعيف.

تزامنت اشتباكات بيروت مع زيارة وفد أميركي رفيع المستوى بقيادة وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية فكتوريا نولند إلى العاصمة اللبنانية يضم ممثلين عن وزارتي الخارجية والمالية لمناقشة المساعدات الاقتصادية الأميركية للبنان، والأهم من ذلك لكي تحض الحكومة الجديدة على اعتماد الشفافية وفتح سجلات لبنان المالية قبل المفاوضات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وفي هذا السياق شددت المسؤولة الأميركية على ضرورة مسائلة المسؤولين اللبنانيين خلال استخدامهم للقرض الخاص الذي سيحصلون عليه من صندوق النقد الدولي والبالغة قيمته مليار دولار.

إذا استمر التوتر الراهن، وإذا تفاقم أكثر في الأسابيع والأشهر المقبلة، فانه سيقوض أي فرص للحكومة الجديدة لتلبية الاحتياجات الإنسانية والمعيشية الملحة للبنانيين في محنتهم الحالية من فقدان الطاقة الكهربائية إلى غياب الأدوية والأغذية، كما أن أي اضطرابات أمنية كبيرة في بيروت قد تقوض أي فرص لحصول الحكومة الجديدة على أي مساعدات أو قروض من المؤسسات المالية الدولية، مع ما يعنيه ذلك من عواقب وخيمة على الأغلبية اللبنانية المحرومة.

قد لا تضع اشتباكات بيروت الأخيرة لبنان على طريق اقتتال أهلي كما حدث في 1975، ولكنها عمقت الاستقطابات الطائفية، وأظهرت مرة أخرى هشاشة السلم الأهلي، ووضعت اللبنانيين من جديد في مواجهة الإرث البشع لحربهم الأهلية الطويلة.