الخطة الأميركية لمواجهة تحالف “الإرهابيين واللصوص” في لبنان

ماذا يعني تكليف الرئيس الأميركي، جو بايدن، ووزيريّ الخارجية والخزانة لفيكتوريا نولاند، وكيلة وزارة الخارجية، بزيارة بيروت على رأس وفد مشترك من وزارتيّ الخارجية والخزانة الأميركيتيّن؟ وهل تؤشِّرُ زيارة نولاند لبداية اهتمام أميركي شامل بلبنان ردّت عليه ميليشيا “حزب الله” المدعومة من إيران بتعطيل الحكومة اللبنانية ومحاولة ترويع اللبنانيين عبر تفجير العنف في بيروت؟

برنامج “عاصمة القرار” على قناة “الحرة”، طرح هذا الموضوع على ضيوف الحلقة: ماثيو زايس، النائب الأول لمساعد وزير الطاقة الأميركية السابق، وكبير باحثين في “المجلس الأطلسي” في واشنطن. وغرايم بانرمان، الباحث في “معهد الشرق الأوسط ” في واشنطن، وكبير موظفي لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي سابقاً.




وشارك من بيروت في جزء من الحوار، ريشار قيوميجيان، وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني الأسبق، ورئيس جهاز العلاقات الخارجية في “حزب القوات اللبنانية”.

الدويلة تُفجِّر الدولة

يقول ماثيو زايس، النائب الأول لمساعد وزير الطاقة الأميركية السابق، إن ما رأيناه من عنفٍ في بيروت هو “تتويجٌ لسلسلة من الأعمال التي تُظهر أنّ هناك دويلة داخل الدولة في لبنان؛ هذه الدويلة تسلب هوّية لبنان من معظم شعبه، وقد ساهمت في انهياره الاقتصادي وتآكله لدرجة عدم القدرة على الاستمرار”.

فيما يقول غرايم بانرمان إن ما رأيناه من أعمال عنف في بيروت “كان خطِراً ومُقلِقا جداً خاصة وسط الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان”.

ويُضيف بانرمان أنه ” يجب على ‘حزب الله’ الاعتراف بأن الجهات اللبنانية الأخرى لها الحق بإبداء رأيها وبالمشاركة الفاعلة في الحكومة اللبنانية التي ليست ملكاً لـ’حزب الله'”.

من جهته، جدد نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، إدانة بلاده لـ”نشاطات ‘حزب الله’ الإرهابية وغير الشرعية التي تقوِّض أمن لبنان واستقراره وسيادته”.

ويقول الوزير اللبناني السابق ريشار قيوميجيان إن “لعبة التصعيد والتخريب خطرة للغاية في لبنان؛ ولقد فهِمَ ‘حزب الله’ رسالة الناس في الشارع، وهي: لا يُمكن لهذا الحزب فرض أيّ شيء بالقوّة على اللبنانيين”.

ويتخوف توم أوكونور في تقريره لمجلة “نيوزويك” من أن “آثار العنف الطائفي الجديد في لبنان تثير مخاوف من عودة الحرب الأهلية بين الأطراف المتنافسة على النفوذ على شعب وصل بسرعة إلى نقطة الانهيار”.

ويُضيف التقرير أن “اندلاع العنف الطائفي قد يساعد الفصائل السياسية اللبنانية الحاكمة على تحويل أزمة البلاد من كارثة شعب مع الحكام الذين أوصلوا البلد إلى الانهيار، إلى نوع من الفوضى الطائفية والحزبية”.

في الموضوع ذاته، كتب روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، أن “التعريف القديم لـ ‘المقاومة’ هو دعم بشار الأسد في الإبادة الجماعية ضد الحرية والعدالة في سوريا. أما التعريف الجديد لمصطلح ‘المقاومة’ فهو قتل المدنيين لمنع الحرية والعدالة في لبنان”.

ويلاحظ نبيل خوري، الدبلوماسي الأميركي السابق، أن ما جرى في بيروت من أعمال عنف هو “تذكير قبيح بأنه بعد 30 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية، لا يزال لبنان محكوماً بعائلات ومنظمات مافيوية طائفية، وأن نفس النخب الفاسدة لا تزال تستغل وتسرق وتقتل”.

فيما يقول أسعد حنّا، الباحث في جامعة “كولومبيا” الأميركية، إنه في لبنان “يتم اعتقال النشطاء بسبب ما كتبوه على مواقع التواصل الاجتماعي، أو ربما لشتم رئيس الجمهورية، لكن يمكن لعصابة ‘حزب الله’ أن تسير بسلاحها في الشوارع مطالبةً بوقف التحقيق في انفجار” مرفأ بيروت.

مواجهة العدالة بالعنف الطائفي

خلال اجتماعاتها في بيروت مع كبار المسؤوليين اللبنانيين، أكدت نولاند، وكيلة وزارة الخارجية الأميركية، على “أن القضاء النظيف والنزيه والمُستقل هو الضامن لجميع الحقوق والقِيم التي نعتز بها ونتشاركها كديمقراطيات. مرّة أخرى، لا يستحق اللبنانيون أقل من ذلك. ولا يستحق ضحايا وعائلات الذين فُقِدوا في انفجار المرفأ أقل من ذلك”.

ويرفض برايس أي تهديد بالعنف والتهويل ضد القضاء،  ويُضيف المتحدث باسم الخارجية الأميركية: “نحن ندعم استقلال القضاء اللبناني. ويجب ألا يتعرض القضاة للتهديد ويجب أن يكونوا أحراراً من أي تهديد وتهويل بما في ذلك من تهديدات ‘حزب الله'” .
ويتساءل السفير دنيس روس، المساعد الخاص للرئيس الأميركي الأسبق، قائلاً : “هل من المفاجئ أن ‘حزب الله’ الذي يُسيطر على مرفأ بيروت، يُقاوم أي جهد جدّي للتحقيق في الانفجار المروع وكشف ومحاسبة المسؤولين عنه؟”.

يتفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي الديمقراطي، بوب منينديز، مع زميله العضو البارز في اللجنة،  الجمهوري، جيم ريش، على القول: “نحن قلقون من دور ‘حزب الله’ في إعاقة التحقيق الحاسم بالانفجار المُدمر في مرفأ بيروت، القاضي، طارق بيطار، رجل قانون محترم ونزيه بكل المقاييس. ومن واجب الحكومة اللبنانية أن تضمن حق القضاة والمحققين الآخرين في أداء واجباتهم بأمان وإتمام هذا التحقيق. إن اللبنانيين الذين ما زال الكثير منهم يعانون من الآثار المادية والاقتصادية لانفجار المرفأ، يستحقون  محاسبة المسؤولين عن هذه المأساة”.

ويقول قيوميجيان، إن “المشكلة الأساسية هي أن ‘حزب الله’ لا يريد الوصول إلى الحقيقة في انفجار مرفأ بيروت. ولذلك قرر هذا الحزب إزاحة المحقق العدلي (القاضي بيطار)، وإن استشراس ‘حزب الله’ ضد المحقق العدلي يَحملُنا على الشكّ بأن التحقيق قد وَصل إلى شيء يدين ‘حزب الله’.  لذلك عَمد هذا الحزب لاستعمال العنف في الشارع لمحاولة إرساء المعادلة التالية: إما إقالة المحقق العدلي أو لا حكومة؛ إما إقالة المحقق العدلي أو اللجوء إلى الشارع”.

فيما تلاحظ الصحافية جويس كرم أن “‘حزب الله’ يخوض حرباً فعلية ضد مدني، هو قاضي التحقيق طارق بيطار لمحاولته استجواب شخصيات قريبة من هذا الحزب” في قضية انفجار مرفأ بيروت .

نولاند في بيروت: خارطة طريق أميركية

يُثني ماثيو زايس على زيارة ولاند للبنان،  لأنها تعني “إدراك الإدارة الأميركية أهمية لبنان، ويقين واشنطن أنها لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي أمام قضم ‘حزب الله’ للبنان بمساعدة إيران، وجعل هذا البلد ممراً للإرهاب من طهران إلى بغداد، مِما أدّى إلى تدهور نظامه السياسي وصولاً إلى نقطة العجز الكامل”.

ويضيف “إنها فرصة الولايات المتحدة لتغيير مسار الأحداث،  ولتكون لاعباً أساسياً في إنقاذ لبنان عبر اعتماد سياسة ذكية وشاملة تدعم الحكومة ومؤسسات الدولة لتمكينها من تحقيق الخيارات والإصلاحات الصعبة المطلوبة لإنقاذ لبنان واللبنانيين”.

من جهته، يعتبر بانرمان أن “المساعدة الأميركية للبنان مهمة وضرورية، لكن الأساس هو حماية الشعب اللبناني لمؤسسات الدولة، بما فيها القضاء والجيش الذي لا يُمكن الطلب منه مواجهة طائفة ضد طائفة أخرى، فالمحافظة على الدور الإيجابي للجيش اللبناني مسألة أساسية. وعلى واشنطن الاستمرار في دعم الجيش وتخفيف تأثير وضغط ‘حزب الله’ عليه “.

من بيروت وبشكل مباشر، قدّمت نولاند، تصوراً لما يمكن وصفه بخارطة طريق لإنقاذ لبنان و”دعم تطلعات الشعب اللبناني في الأمن والاستقرار الاقتصادي والحكم الشفاف و الخاضع للمساءلة”، لأنه “بعد سنوات من المعاناة ، يستحق كل اللبنانيين الأفضل”.

فاستمرار أميركا بتقديم الدعم للجيش اللبناني مسألة لا لبس فيها. كذلك يجب التمعن في إعلان نولاند عن أن “الإرهابيين واللصوص قد سلبوا أمل اللبنانيين لفترة طويلة جداً”. ومع معرفة واشنطن أن “المهمة التي تنتظرنا شاقة”، لكن الولايات المتحدة “تقف إلى جانب لبنان وهو يقوم بالعمل الجاد لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، لجعل هذا البلد على طريق التنمية المستدامة والعودة إلى الازدهار”.

كما شددت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية على “أهمية الشفافية الكاملة مع استئناف تعامل لبنان مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي”، لأن اللبنانيين “يستحقون أن يعرفوا أين ذهبت أموالهم، وأن يثقوا بمستقبلهم الاقتصادي”.

ولم تتردد نولاند في اجتماعاتها في بيروت في “الحث على توخي الحذر والمساءلة في استخدام لبنان لأكثر من مليار دولار من حقوق السحب الخاصة بصندوق النقد الدولي”، لأنّ “هذه الأموال ملك اللبنانيين ويجب استخدامها لمصلحة اللبنانيين”.

وكذلك أكّدت وكيلة الخارجية الأميركية على “أهمية إجراء انتخابات حرة ونزيهة في الربيع المقبل”. وعلى دعم الإدارة والشعب الأميركي لـ”الشعب اللبناني وحكومته وقياداته والمجتمع المدني بينما يتخذ الخطوات الصعبة للغاية إلى الأمام لإعادة الاستقرار والصحة والازدهار والأمن إلى هذا البلد الجميل”.

ولم يفت لنولاند الإشارة إلى أن “ما تقدمه إيران في مجال الطاقة هو حيلة دعائية. حفنة من الشاحنات المليئة بأشياء قذرة وغير مستدامة للشعب اللبناني”. وإلى أن ما تعمل عليه الولايات المتحدة هو “حلول قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لقضايا الطاقة التي ابتليت بها هذه الدولة منذ فترة طويلة، والتي أصبحت حادة بشكل خاص الآن، ومن ثم نحو الطاقة النظيفة في المستقبل”.

وختمت نولاند بالقول إنه “يجب أن تقوم السلطات اللبنانية والشعب اللبناني بالعمل الجاد؛ إننا سنقف مع الحلفاء والشركاء إلى جانبكم بينما تتخذون الخطوات لتحويل مسار الأزمة، وفتح السجلات، ولمعرفة أين ذهبت الأموال، والعمل مع صندوق النقد الدولي، وإزالة الفساد، والقول: لا للإرهاب”.

وفيما تعرض واشنطن الخطوط العريضة لسياستها أمام اللبنانيين والعالم، لا بدَ من الإشارة إلى تصريح السيناتور الأميركي، تيم كاين، بأن “لبنان غير المستقِّر بشكل متزايد يُمثل مشكلة حقيقية للعديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة”. وإلى طلب قيوميجيان من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الاهتمام بملف أساسي في لبنان “هو ملف السيادة، لأن سيادة لبنان منقوصة بوجود حزب مُسلّح يحاول فرض إرادته على الدولة اللبنانية، وبأن الشعب البناني يرفض هذا الواقع ويريد بناء دولة حرّة ومستقلة تُمكنه من تخطّي هذه الأزمة”.