باسيل المصاب بدوّار الطيونة “يقنّص” على جعجع ونصرالله!

مشهد الطيونة-عين الرمانة أمام العونيين سيف ذو حدين. فهو من جهة أحرجهم إزاء الساحة المسيحية، التي ضاقت ذرعاً من تعاظم قوة حزب الله، وخروجه عن السيطرة، ومن جهة أخرى أعطى المشهد العونيين حجة لخوض معركة ضد الثنائي الشيعي من دون أي تحفّظ، ومن دون أي حرج، طالما أن المعركة هي لحماية القضاء، المؤسسة التي طالما حاضر رئيس الجمهورية، رئيس التيار الوطني الحر الروحي، بالمحافظة عليها باستقلالها عن السلطة السياسية.

لا تراجع إلى الخلف
بعد عودة ميشال عون من منفاه الباريسي، ألقى كلمة أعاد فيها التذكير بالقضية المرفوعة ضده في القضاء اللبناني، قائلاً: أنا تحت سلطة القضاء كما على الجميع أن يكون. لم يتغير موقف عون رغم كل المسار الشائك الذي اتخذه منذ تحالفه مع حزب الله. عون الذي أحبه مناصروه، بعنفوانه وعناده، عاد هو نفسه في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة حين ضرب على الطاولة رافضاً منطق التدخل بالقضاء، ومدافعاً شرساً عن استقلالية القاضي طارق البيطار، في تحقيقه العدلي في جريمة مرفأ بيروت.
“مستحيل” أن يقبل عون أن تتولى السلطة التنفيذية التدخل بالقضاء وكف يد القاضي بيطار كما طلب منه أن يفعل حلفاؤه. ولعل من يعرف عون جيداً يعرف عناده في المواجهة سيما إذا خضع للتهديد، تماماً كما حاول وزراء الثنائي الشيعي أن يهددوا بالشارع في الجلسة، وبمقاطعة جلسة مجلس الوزراء. فكيف إذا وافق التهديد تظاهرة ضد قاض يمارس مهنته، ثم تحولت إلى شعارات “شيعة شيعة شيعة” وإلى مظاهر مسلحة لا تمت إلى منطق الدولة بصلة. وهو أكثر ما يحرج التيار العوني الذي راكم شعبيته انطلاقاً من المؤسسة العسكرية ومنطق الدولة.
لا تراجع إلى الخلف إذاً، خصوصاً مع دخول رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، الساحة المسيحية من الباب الأحب إلى قلبه وتاريخه. من بوابة أمن “المجتمع المسيحي”.




الوجدان المسيحي
في الساعات الأخيرة كثرت المساعي لإيجاد مخارج لائقة للأزمة المستفحلة بين الحلفاء. من بين هذه المخارج ما طرح في اجتماع ضم وزير العدل إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، على أن يتولى الأخير التعامل مع القاضي البيطار انطلاقاً من سلطته القضائية. غير أن هذا المسعى لم يكتمل، ولم يستطع وزير العدل -المحسوب على رئيس الجمهورية- إلا أن يقول إن البيطار سيد قراره، لأن هذا ما ينص عليه الدستور أولاً، وهذه هي قناعة عون وتياره ثانياً.
يحتاج عون إلى معركة ضد الثنائي على الساحة المسيحية، ولو سبقه إليها سمير جعجع.

فالشارع المسيحي بمزاجه العام لم يحتمل فائض القوة، وهو بحاجة ماسة إلى معركة معها تعيد لهم التوازن الذي فُقد، يوم فشلت ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر. الأيام التي فصلت تاريخ الجلسة المتفجرة بيوم السبت، الذي خصصه رئيس التيار جبران باسيل لإحياء الذكرى الأحب إلى قلب العونيين، ذكرى 13 تشرين، حملت الكثير من النقاشات الداخلية.
تلازمت هذه النقاشات مع قرار اتخذه التكتل بالصمت الإعلامي إلى حين اتضاح المشهد. خرج عون في كلمة، أكد فيها على موقفه، قبل أن يطلق باسيل مواقف عالية السقف باتجاه القوات اللبنانية، التي نجحت بسحب البساط منه في الوجدان المسيحي العام.

باسيل وغريمه
كرر باسيل مجموعة من المحطات التي جمعت تياره بحزب الله كالقانون الأرثوذكسي ومواجهة داعش، وعلى أن التيار الوطني الحر تيار علماني غير عسكري لا يدخل في معارك، وليس له تنظيمات عسكرية بل ينسج تفاهمات لإلغاء خطوط التماس والمحافظة على السلم الاهلي. حاول باسيل وضع مواقف غريمه جعجع في سياق السباق الانتخابي على أبواب الانتخابات النيابية، مذكراً بثوابت التيار، بإقرار الاستراتيجية الدفاعية لمصلحة لبنان ضد اسرائيل، الطامعة في ثروات لبنان.
أما عن جريمة المرفأ وهي القضية الأكثر دقة في المزاج العام، فقد أخرجها باسيل من الانقسام المسيحي-المسلم، مع التأكيد على موقفه بدعم القضاء العدلي، رغم الكثير من الأسئلة التي لا تزال حاضرة من دون اتهام القاضي البيطار بالتسييس.
توجه باسيل إلى حزب الله رافضاً تخوينه لكل مختلف عنه، مذكراً بقدرة عون وتياره على معارضة الحزب رغم التحالف معه.

قنص باتجاهات مختلفة
“لا للتهديد بالشارع”، “التعبير عن الرأي لا يبرر الرد عليه بالعنف. حتى لو حمل المتظاهرون شعارات مستفزة، ولكن هذا لا يبرر القنص”. ذكر باسيل بتاريخ القوات الدموي، وصوب على برّي، مذكراً بقوله “إن الضعيف بروح على القضاء”. مطالباً البيطار بالإفراج عن مسؤولين لا يزالون موقوفين، رغم أنهم قاموا بعملهم. سهام باسيل طالت سليمان فرنجية “الذي يقوم بحماية المطلوب إلى التحقيق وزير الاشغال السابق يوسف فنيانوس”.
اما عن تفاهم مار مخايل، فعاد باسيل وأكد أن مفهوم الدولة وحده ما يحمي هذا التفاهم وسط محاولات لضربه. واضعاً المسيحيين أمام مشهدين، مشهد مار مخايل مقابل مشهد الطيونة.

في المحصلة، بدا باسيل وكأنه يقفز فوق الألغام السياسية والأمنية. محاولاً استعادة ذاكرة الحرب وسفك الدم المرتبطة بالقوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع. وهي ذاكرة تخيف الشارع المسيحي، ومحاولاً التصويب على حليفه حزب الله، محافظاً على شعرة معاوية معه.

هكذا، يعود باسيل ويضع نفسه في مظلومية الاستهداف السياسي في السلطة والشارع، وفي الداخل والخارج. ربما ما لا يدركه باسيل أن الخطاب المتغير حسب الظروف لم يعد خافياً على أحد ولم يعد مقنعاً للناخبين. وهكذا، يتحضّر باسيل للدخول إلى الانتخابات النيابية بعناوين وسطية أصبحت باهتة في المزاج العام، فكيف في المزاج المسيحي المشتعل هذه الأيام.



المدن