فَصل إعلاميين جزائريين بثوا أغنية “مسيحية” لفيروز

أثار قرار إقالة الإعلامي والأديب مراد بوكرزازة، من منصبه في إذاعة “سيرتا” الجهوية، بقرار من المدير العام للإذاعة الحكومية محمد بغالي، موجة تضامن من طرف نخب وفاعلين ثقافيين، وصفوا القرار بـ”الكيدي”، و”تصفية الحسابات”، على اعتبار أنه لا توجد نصوص واضحة تتحدث عن منع أو حظر أغاني لفنانين مسيحيين أو غير مسيحيين.

وتحدثت تقارير محلية، عن قرار الإقالة الذي طال الأديب والإعلامي بوكرزازة، رفقة مخرج الحصة الاذاعية “أغاني الزمن الجميل”، فضلا عن صحافيين آخرين تم إحالتهما على المجلس التأديبي للنظر في القضية.




وأضافت “تم فتح تحقيق إداري في أعقاب بث الحصة الإذاعية، وهو ما أفضى إلى القرارات الأولية المذكورة، فيما يستمر التحقيق لمعرفة أسباب الواقعة وأهدافها، وإن كان الأمر يتعلق بخطأ مهني أم فعل متعمد، لاسيما وأن الكلمات التي جاءت في الأغنية ‘يا يسوع’، تحمل معاني الأولوهية وطلب الرحمة من المسيح عيسى عليه السلام، تعتبر إشادة بتعاليم الديانة المسيحية على منبر إذاعة رسمية”.

ويعتبر الإعلامي والروائي مراد بوكرزازة، من بين القامات الأدبية والإبداعية في الجزائر، له العديد من المؤلفات، وصار مديرا لإذاعة “سيرتا” الجهوية (قسنطينة) منذ العام 2020، قبل أن يفاجأ بقرار الفصل من العمل، وسط حالة من الذهول لدى المتابعين والمهتمين بالشأن الإعلامي والإبداعي.

وحظي بوكرزازة، بحملة تضامن واسعة من طرف نخب مختلفة في الجزائر.

وقال الروائي والإعلامي عبدالعزيز غرمول، في تدوينة على فيسبوك “التهمة إذاعة أغنية لفيروز على الواحدة صباحًا، قيل أنها ترانيم قداس مسيحي، يا للمصيبة في هذا البلد؟ هل من قانون أو عرف يمنع إذاعة أغاني فيروز، وهي مسيحية مثل العشرات من الفنانين العرب؟ وهل هناك قانون يمنع الأغاني والترانيم المسيحية عندما تكون في إطار فني”؟

وتابع “هل الأستاذ بوكرزازة مسؤول مباشر على ذلك، إذا كان هو مسؤول فلا بد أن المدير العام للإذاعة (محمد بغالي) لا يقل مسؤولية، بل هو الأولى بالطرد لأنه المسؤول الأول.. أعتقد أن ما تعرض له مراد بوكرزازة هو موقف كيدي، مجرد غيرة مؤنثة من كفاءته وثقافته وشهرته التي تتجاوز كفاءة وثقافة وشهرة كل المسؤولين الإداريين الأعلى منه منصبا وليس قامة وهِمّة”.

وفي خلاصة مقتضبة، لفت إلى أن “هذا حال الكفاءات في هذا البلد الذي يطرد ويقيل كفاءاته ويرفع ويمجد تفاهاته”، في تلميح إلى حسابات داخلية بين كوادر المؤسسة الإعلامية.

أما الكاتب والباحث منتصر أوبترون، فقد دوّن اعتذارا للفنانة الكبيرة فيروز، بالقول “عيوننا إليك ترحل كل يوم، بغالي، مديرا عاما للإذاعة الوطنية، ابتلاء يا وطني، عفوا على ما بدا من السفهاء منا أيتها الفنانة العظيمة فيروز”.

ولم يصدر عن الإدارة العامة للإذاعة الجزائرية، أي تعليق أو بيان رسمي، حول قرار الإقالة أو تعليل للعقوبة.

وفتح القرار الباب مجددا أمام السجال الأيديولوجي والفكري الأزلي في الجزائر، بين قوى إسلاموية ومحافظة تتخفى برداء الدفاع عن الثوابت الوطنية والروحية والحضارية للبلاد، وبين تيار يريد التجديد في الأفكار والممارسات والانفتاح.

وطرحت مجددا مسألة الحريات الفكرية والأيديولوجية في البلاد، فرغم مضمون الدستور الداعم للحريات الفردية والمعتقدية، والترسانة التشريعية التي تزعم ضمان الخلفيات والممارسات الإبداعية للأفراد والمجموعات، إلا أن الحادثة أعادت أجواء التضييق والأحادية الفكرية التي سادت العقود الماضية، تحت مسمى حماية الاستقرار والتماسك الاجتماعي.

ولو أن المسألة حملت برأي طابع تصفية الحسابات الذاتية ولا تعكس توجها داخل السلطة أو المؤسسات الوصية لفرض رؤية أحادية على الجانب الفكري والإبداعي، خاصة وأن الفنانة فيروز صاحبة جمهور وحضور مميز في الجزائر، ولا يمكن أن تكون محل نظرة سلبية من طرف الرقيب الرسمي.

ويعتبر الإذاعي مراد بوكرزازة، من الأصوات النادرة في الأثير الجزائري، قياسا بخبرته الطويلة (30 سنة)، وبطبيعة برامجه وحصصه الفنية والرسالية، في حين يعتبر المدير العام للإذاعة الوطنية محمد بغالي، من جيل الشباب الوافد على المنصب من الصحافة المكتوبة، حيث شغل السنوات الماضية رئيس تحرير في صحيفة الخبر الخاصة، قبل أن يستقدم إلى هرم المؤسسة خلال الأشهر الأخيرة فقط.