لديه معلومات موثّقة بتورّط حزب الله في انفجار المرفأ.. أسباب الإصرار على الإطاحة بالبيطار

منذ أن تولى المحقّق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في 4 أغسطس/آب 2020، القاضي طارق البيطار، وبدأت حملة استدعاءات ضد الوزراء المعنيين في هذا الملف، ومنهم وزراء حركة أمل والمردة بالإضافة إلى وزير الداخلية السّابق نهاد المشنوق، وبدأ أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، بشنّ الهجوم على البيطار مطالباً باستبداله.

تطورت الأمور لتأخذ منحى تصاعدياً من قبل حزب الله وحركة أمل، خصوصاً بعدما أصدر البيطار مذكّرة التوقيف بحق نائب حركة أمل وزير المال السّابق علي حسن خليل نتيجة امتناعه عن حضور جلسة الاستجواب التي كانت مقرّرة يوم الاثنين الواقع في 11 أكتوبر/تشرين الأول.




علي حسن خليل: الواجهة

بعد تهديد رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله الحاج وفيق صفا للقاضي بيطار، والتي تلاها طلب الرّد المقدّم من قبل وكيل النائب نهاد المشنوق وبعدها من قبل الخليل والوزير السابق يوسف فنيانوس، وجميعهم مدّعى عليهم، لم يتوقّع حزب الله أن البيطار سيجرؤ على اتخاذ أي خطوة مفصليّة تكون تصعيداً تجاه الحزب رغم التهديدات التي تلقاها، علماً أنه وحتى السّاعة لم يستدعِ أو يتّهم البيطار أي عنصر أو سياسي تابع لحزب الله.

يوضّح المحلّل السياسي ربيع دندشلي لـ”عربي بوست” أن الموضوع لا يقتصر على مذكّرة التوقيف بحقّ الخليل فهذه ظاهر الأمور فقط، إنّما ما يحصل فعلاً هو أن حزب الله، الذي يحكم البلد ومتغلغل في مؤسّساته، والذي كان بند من بنوده في الانتخابات النيابية عام 2018 استقلالية القضاء، تفاجأ أنّ هناك قضاة يقفون بوجه سلطته فهو لم يعتد على ذلك.

يعتبر المحلّل السياسي أن هناك أحد الخيارين: إمّا أنه لحزب الله معلومات تثبت أن القاضي البيطار سيقوم باستدعاء عسكريين وأمنيين تابعين أو مقرّبين من الحزب، أو أن الحزب يستدرك الموضوع مسبقاً لأنّه بطبيعته، حسب دندشلي، يكون متحسّباً للخطوات المستقبليّة، وبالتّالي محاولة لجم الأمور وتفادي استدعاء البيطار لهؤلاء الأمنيين والعسكريين.

وأضاف دندشلي: “يكاد المريبُ أن يقول خذوني”، لافتاً إلى أنّه لو لم يكن لحزب الله دليل أنّه متورّط، فلن يلجأ إلى هذه الخطوة ولم يكن ليتوجّه إلى الشارع.

البيطار كان سيصل للحزب؟

يؤكد مصدر قضائي رفيع المستوى لـ”عربي بوست” أن الاستشراس من قبل حزب الله تجاه القاضي طارق بيطار هو محاولة استباقية من الحزب، خوفاً من وصول التحقيق إلى اتهام مباشر له، خاصة أن حزب الله وبالأدلة الدامغة هو من استجلب النيترات إلى مرفأ بيروت بهدف استخدامها في الحرب السورية بعد سحب السلاح الكيماوي من نظام الأسد نهاية العام 2013.

اضطر الحزب للبحث عن أسلحة أقوى في مواجهة المعارضة السورية والمناطق الخارجة عن سيطرته؛ لذا فإن الحزب يخشى أن التحقيق سيصل إليه وهو يقوم بحماية حلفائه من بوابة حماية نفسه لأن الحلفاء هم من شاركوا معه ولو بغض النظر في استجلاب نيترات الأمونيوم إلى لبنان وتخزينها في العنبر 12 في مرفأ بيروت.

وبحسب المصدر فإن حزب الله، عبر مسؤول أمنه الحاج وفيق صفا، أبلغ الرؤساء الثلاثة بالشخصي أن استمرار البيطار في مهامه سيكون مقابل بقاء الحكومة؛ لذا فإن ميقاتي يبحث عن تسوية لإزاحة البيطار عبر قرار وزير العدل مباشرة، لكنه قد يفشل ننتيجة تمترس وزير العدل خلف رئيس الجمهورية الرافض لإزاحة القاضي خوفاً من إحراج في البيئة المسيحية التي تعتبر نفسها المتضرر الأول من جريمة المرفأ.

الحزب: اقتلاع البيطار واجب

يستغرب “حزب الله” كيف “أن الوزراء وافقوا على مطالعة وزير الثقافة محمد وسام مرتضى القانونية داخل مجلس الوزراء، وأكدوا على المنحى الشعبوي والمسيّس لقرارات البيطار من دون اتخاذ أي إجراء يوقف عمله”.

ويقول مصدر في حزب الله لـ”عربي بوست” إنه هل المطلوب السكوت والتزام الصمت، بينما تظلم طائفة بأكملها وتتهم من دون وجه حق بمقتل 200 مواطن وتدمير عاصمة؟

ويؤكد الحزب أنه لن يقبل بتحميله جريمة المرفأ وبالتصويب عليه مهما كلف الأمر. ويرى أنه صحيح لم يُتهم حتى اللحظة أي من مسؤوليه أو نوابه أو وزرائه ولم يرد اسمهم في التحقيق، ولكن القرار الظني وفق ما توافر لديه من معطيات تكفي للبناء عليها، بدليل تصويبه على جهة واحدة دون أخرى وإصراره على توقيف أشخاص من دون الاستماع إليهم. استهداف البيطار واضح بالأدلة والبراهين من ناحية “حزب الله” فهل يسلّم ويرضى بما يطبخ له؟ وأن يكون من فجّر المرفأ هم الشيعة والمسلمون؟

ويرفض المصدر في حزب الله اعتبار موقفه تدخلاً في القضاء؛ لأن القضاء هو الذي يتصرف من خارج الأداء المطلوب منه، وهو المسيّس وهو الانتقائي؛ ولذا “فلن نقبل أن يُظلم أو توجه لنا اتهامات ظلماً وعدواناً. ولذا فجلسات الحكومة ستبقى معلقة إلى أن يتم إيجاد الحل”.

خطاب نصرالله “وأمر اليوم”

في آخر خطاب له، كان نصرالله واضحاً أنّه سيسعى إلى اقتلاع أو استبدال البيطار كونه مسيّساً ويجرّ البلد نحو الفتنة وانفجار الشّارع. ومن هنا، يقول الصحفي والكاتب المقرّب من حزب الله قاسم قصير إنّ ما أعلنه نصرالله تحذير لأن القاضي يتعامل مع الموضوع باستنسابية.

ويتابع قصير بالقول إنّ أداء البيطار في الفترة الأخيرة لم يكن مطمئناً مستنداً على كيفية الاستدعاءات واختيار الشخصيات التي يريد أن يحقّق معها كونها من فريق سياسي دون الآخر أو موجّهة نحو جهة معيّنة.

ولفت قصير إلى أنّ ما حدث اليوم في الشّارع “من اعتداء أو كمين على مواطنين كانوا يتّجهون للاعتصام السلمي” يكشف أن الوضع خطير ويحتاج إلى مقاربات جديدة. وأشار إلى أنّه قد يكون لحزب الله بعض المعلومات الخلفية وهذا ما يدفعه نحو اقتلاع البيطار من منصبه.

البُعد السياسي والحكومي

يعتبر المحلّل السياسي ربيع دندشلي أن اقتلاع البيطار أو التصويب عليه قد يتجاوز قضيّة المرفأ، فمن وجهة نظره، الموضوع قد يفتح على الحزب أبواباً قضائية أخرى لا يريد فتحها كالتّجار التابعين له مثلاً أو القادة الأمنيين.

وشدّد على أن المناوشة التي حصلت داخل اجتماع مجلس الوزراء بين وزراء الثنائي- حزب الله وحركة أمل- وإلى جانبهم وزراء حزب المردة، الذي يترأسه النائب السّابق سليمان فرنجية، خير دليل على أن للمسألة بُعداً سياسياً.

وفي السيّاق، يشير دندشلي إلى أن المشكلة السياسية قد تكون بين التيار الوطني الحرّ المدعوم من قبل رئيس الجمهورية، والذي يترأسه صهره النائب جبران باسيل من جهة، وبين حركة أمل من جهة أخرى، نظراً للخلاف التاريخي الواقع بينهم ويدعمه حزب الله، علماً أنه حليف التيار الوطني الحر.

وبالعودة إلى خطاب نصرالله وعن تسييس القضاء، يتساءل دندشلي عمن هو المقصود في هذا الاتهام؟ معلّقاً أنّه لا يعقل أن تكون الإدارة الأمريكية داعمة له، وإذا كان ذلك فلمَ التصويب داخل الحكومة ضد وزراء التيار الوطني الحرّ ورئيس الجمهورية؟

لذا، يرى دندشلي أنّ الموضوع قد يذهب باتجاه خلاف سياسي واقع وحاصل بين التيار العوني وحزب الله، خصوصاً أن التيار العوني يدافع عن القاضي بيطار.

نصرالله يحرج عون

يرى المحلل السياسي منير الربيع أن المُحرَج الأول أمام حزب الله هو رئيس الجمهورية، والثاني هو رئيس الحكومة. فعندما وجّه أمين عام حزب الله تساؤلات للقاضي البيطار: هل استمع لإفادة رئيس الجمهورية الذي أعلن استعداده للإدلاء بإفادته، من دون حاجته إلى رفع الحصانة عنه؟ كان نصرالله يشير ضمناً إلى عون. وهناك تصور يفيد أن رئيس الجمهورية يدعم البيطار إلى حدود بعيدة. وعندما وقع الخلاف في جلسة مجلس الوزراء يوم الثلاثاء 12 تشرين الجاري، قال عون: “لا يمكن للحكومة أن تتخذ قراراً بإقالة القاضي، لأن ذلك يعدّ تدخلاً في عمل السلطة القضائية، ويتعارض مع مبدأ فصل السلطات”.

ويُفسّر هذا الموقف بأن عون يدعم البيطار، ولكنه في المقابل يرفض إعطاء الإذن لملاحقة اللواء طوني صليبا المحسوب عليه. وهنا التناقض الأول والإحراج الأساسي.

أما الإحراج الثاني فسياسي، ويتعلق بعلاقة عون بحزب الله.  فهناك تصور يعتبر أن جريمة المرفأ طالت بقوة المسيحيين، وهم يريدون التحقيق والحقيقة، فيما المسلمون لا يريدونها. وسير عون إلى جانب حزب الله يجعله محرجاً في بيئته. أما إذا عارض توجهات الحزب إياه، فتتعرض علاقته به لتداعيات سلبية.

يعتبر الربيع أنه وبناء عليه أصبحت الحكومة في وضع لا تحسد عليه. وعلى الرغم من سياسة التسويف والتأجيل والترقيع، تظل الحكومة مهددة في أي لحظة بشلّ عملها، أو لأن تكون أسيرة حسابات سياسية تختلف مع توجهاتها.

خصوم عون يعتبرون أن التحقيقات تستهدفهم، ويتهمونه بمحاولات التأثير على القضاء للانتقام منهم وتطويقهم، والرئيس نبيه برّي يعتبر أن المسألة أصبحت شخصية وهدفها النيل منه؛ أما حزب الله، الحليف الوثيق لعون، فلا يمكنه القبول باستمرار البيطار، ولا بأي قاضٍ يعمل بالطريقة التي قد تؤدي إلى توقيف شخصيات شيعية قريبة منه.



عربي بوست