التغيير المنشود! – رامي الرّيس – نداء الوطن

من حق الناس أن تسعى إلى التغيير، ومن حقها أن تنظر إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل على أنه محطة مفصليّة بين حقبتين سياسيتين الأولى عنوانها التدهور والتراجع والانكسار والثانية عنوانها الأمل بمستقبل أفضل يراعي تطلعات الأجيال الطالعة بقيامة وطن يحققون فيه أحلامهم ودولة تساوي في ما بينهم يمارسون فيها حقوقهم السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة على أكمل وجه.

ومن حقّ المجموعات، التي تُعدّ بالمئات، والتي تنعت نفسها بأنّها “مجموعات ثوريّة”، أن تسعى أيضاً للمشاركة في السباق الانتخابي وأن تفرز نخباً جديدة تساهم في البنيان الوطني على قدر ما تملك من خبرات وتطلعات وطموحات.




ولكن من حقّ الأحزاب السياسيّة أيضاً أن تخوض هذا السباق الانتخابي وأن تنغمس في تجربة الامتحان الشعبي مرة جديدة، فإما أن تجدّد الفئات الشعبيّة الثقة بها أو تنزعها عنها. وبقدر ما تتحمّس بعض الجهات التي نالت تمويلاً دسماً من جهات خارجيّة (وهذا ليس إتهاماً بالعمالة كما تفعل بعض تلك الجهات وسواها من الأحزاب بل هو توصيف واقعي للأمور) لقلب المعادلات السياسيّة القائمة، بقدر ما يُفترض بالقوى السياسيّة أن تقارب هذا الاستحقاق بكثير من رحابة الصدر والروح الديموقراطيّة والثقة بما نسجته من علاقات مع المواطنين ومن أداء سياسي خلال المرحلة المنصرمة.

إن التشظي الذي أصاب كل الحياة الحزبيّة اللبنانيّة بفعل بعض شعارات التعميم الأعمى وضع القوى الديموقراطيّة المناضلة في سبيل الحريات العامة في الموقع ذاته مع القوى التي تصادر الحريّات العامة وتختطف القرار الوطني اللبناني. إذا كان ثمّة غضب شعبي عارم ومفهوم بسبب تردي الوضع الاقتصادي الاجتماعي قد ولّد شعاراتٍ تعكس معاناة اللحظة، فلقد آن الأوان لتلك الشرائح التي تنظم صفوفها تمهيداً للغوص في الانتخابات أن تخرج من العناوين الشعبيّة وأن تقارع الأحزاب في برامج سياسيّة واضحة ومحددة.

لا يحق للقوى التغييريّة التي تسعى إلى رسم واقع وطني وسياسي جديد أن تنكر على الأطراف الأخرى نضالاتها التاريخيّة بل جلّ ما يحقّ لها أن تقوم به هو أن تنافسها إنتخابيّاً وألا تمارس ما تشكوه الأحزاب التغييريّة نفسها من الأحزاب المسيطرة على مفاصل السلطة.

من هنا، تبدو عمليّة إعادة تحديد الأولويّات ورسم التوازنات مسألة مهمة لجميع العاملين في القطاع العام، سواءً أكانت أحزاباً تقليديّة أم حركات ثوريّة تغييريّة. ثمّة مسؤوليّة كبرى تتحملها أطراف معيّنة دون سواها من السلطة. هي المسؤولة عن التدهور الراهن وسلوك الطريق نحو “جهنم”، وهي المسؤولة عن تغطية الاختلال في موزاين القوى وتكريسه كأمر واقع خدمة لمصالحها الفئويّة الخاصة ولشهوتها للسلطة والمقاعد الوثيرة التي سعت جاهدة لاحتلالها بأي شكل من الأشكال، وبصرف النظر عن الأثمان السياسيّة وغير السياسيّة الباهظة.

إن التغيير الحقيقي المنشود، لا يتم من خلال العناوين المثيرة التي ترمي إلى إقصاء الآخرين، ورمي منجزاتهم في سلة المهملات، وتهميش دورهم في الحياة السياسيّة بل عبر إعادة تصويب البوصلة تجاه الأطراف التي تتحمّل المسؤوليّة الحقيقيّة عمّأ وصلت إليه البلاد. هل الأطراف كلها مسؤولة عن إهدار 40 مليار دولار في الكهرباء، على سبيل المثال؟ هل القوى جميعها مسؤولة عن رفض عروض الصناديق العربيّة والشركات الأوروبيّة لبناء معامل كهرباء جديدة؟

لقد آن الأوان لبناء مقاربات جديدة، يمكن من خلالها العمل على إحداث تغيير نوعي في موازين القوى والذهاب في إتجاه بناء الدولة الحديثة التي تحفظ المساواة لجميع أبنائها وتحول دون التمييز بينهم بحسب إنتماءاتهم الطائفيّة والمذهبيّة.