سمير عطا الله

تذاكر تذاكر – سمير عطالله – النهار

“على مرّ العصور لم تشهد دولة في العالم ما يشهده #لبنان من سقوط للقِيَم، واختلاط في المفاهيم، وتزوير للحقائق، وتجاهل للوقائع، ومكابرة على الواقع تصل الى حد العمى الكامل”

رشيد القاضي 1985




منتصف الثمانينات، ومن دون ترتيب مسبق، التقينا في نيويورك، الوزير ميشال اده، السفير فؤاد الترك، والمحبِّر. مع ميشال اده يحضر الظُرف والسخرية الإدّية. ومع فؤاد الترك، الديبلوماسي الرفيع، تحضر السخرية المتكثلكة: على أن، بما أن، وفهمك كفاية.

ذلك اليوم حضرت للوزير اده فكرة من وحي نيويورك: لماذا لا يؤلف المحبِّر، الكثير المشاوير، الى ديار الله وبلاد الاغتراب، كتاباً عن اللبنانيين. بدأ النقاش سريعاً وحماسياً. اده أعرب عن استعداده الفوري لتكلّف التكاليف. الترك، عرض المساعدة في الأبحاث. بالنسبة الى اده، الفكرة تعني النجاح اللبناني، وطناً واغتراباً. الترك اقترح حصرها بعبقرية الاغتراب “وبلا وجع راس”. المحبِّر قال، أي كتاب تجميلي لا معنى له، وقد انتهى من زمان زمن الشاعر طانيوس الحملاوي الذي عندما اهتزت به الباخرة المسافرة الى نيويورك، رفع صوته في وجه المحيط مهدداً: “بتتمرجل يا اطلنتيك والحملاوي راكب فيك”. واوقف الحملاوي البحر، كما اوقف يشوع ابن نون الشمس. بتلويح من يده.

شرح المحبِّر وجهة نظره، بأن لبنان أحجية وليس قصة. شعب غامض لا يهدأ بين المحيطات. وُلد على مرفأ، ولا يعرف الرسو، طوله طول الحملاوي، الذي لم يكن ميسور القامة، وعرضه عرض خط العرض. يرفع رايات العربية، ويترك لجبران الذي من بشري، أن ينشر الصلاة بالانكليزية ولغات الأرض. وعند “الحزّة” يضع النجمات في كعب شرواله. باللغا اللبنانيّي.

كان قد صدر في السبعينات كتاب بعنوان “الايطاليون” للديبلوماسي السابق “لويجي بارزيني”، وأثار ضجة حول العالم. وعارضه واعترض عليه ايطاليون كثيرون. وأعرض عنه الفاتيكان، ولكن من خلف كرسي الاعتراف: Non Heretici.

وأحبه الجميع سراً فهو ليس كتاباً مدرسياً. ولا فقرة من النشيد الوطني في صبيحة المدارس. إنه مطالعة بارعة ومؤلمة في جينات وملامح وتاريخ جنسٍ بشريّ، ليس مثل غيره. فأي شعب آخر، هو دانتي وهو كازانوفا وهو بومبيي المحوّلة الى ملح لكثرة خطاياها وشدّتها، وهو روما وهو المافيا وهو موسوليني وهو مايكل انجلو. وهو صوفيا لورين في العشرين. نجيب حنكش كان يقول امام وقفة العشرين في صوفيا: ريتك تقبريني، دفقتين ودفتين، تاركاً الحسم مع الاطلنتيك، الى الحملاوي وحلف فرصوفيا.

كنا نتناول الفطور مع ميشال اده، والحرب دائرة في لبنان، والوفد الى الجمعية العمومية مسلمون ومسيحيون والطائفة العشرون. وأصرّ ميشال اده على ان يعكس كتاب “اللبنانيون” صورة نقية واحدة. وتنحنح فؤاد الترك مثل بيوس الثاني عشر، متسائلاً: “لماذا لا يكون خليطاً من هذا وذاك؟”. وقال المحبِّر: اكتمل الكتاب، وعنوانه المقترح: لبنان، طبق واحد وعشرون ديانة، والرحمة على مثلث الرحمات، دو تاليران. وانتهى مشروع الكتاب مع آخر مسحة زبدة في مستودع فندق “الوالدورف”، لأنه كان قد مضى على ابو سليم اسبوع في الفندق. احسبها.

ظلّت فكرة “اللبنانيون” تراودني، ليس كمواطن معجب بل كإنسان متعجب. وقد احببت لبنان شغفاً وولهاً وحنيناً، لكنني لم أرضَ به. ولا اطمأننت إليه. ولا اعتبرته وطناً أو دولة أو تراباً. دائماً نظرت اليه كما هو: ملعب يتنافس عليه اللاعبون، وينقسم من حولهم المشاهدون. الحقيقة الوحيدة هي الانقسام، علّة خلقيّة بلا علاج.

حاولت ان ابدأ، بديهياً، بالتعريف: من هم “اللبنانيون”؟ إذا اخذنا بالجذور الفينيقية كارثة: يرفضها اهل صيدا وصور، ويكرّسها اهل جبيل، ويتظاهر ضدها الطرابلسيون. وإذا قلنا لبنان هو الجبل، تقاتل عليه المسيحيون والدروز، وأبقينا اهل المدن خارجاً. وإذا انتسبنا الى النَّسب الأعمّ، وهو أننا عرب، قامت قيامة الزجّالين والقوّالين وأدمعت لوحة نهر الكلب ولائحة الاحتلالات التي مرّت بنا ومررنا بها. وإذا قلنا الأرزة، تبيّن ان البعض يعتبرها خيانة أو أضحوكة. إذن، سجّل: وطن النجوم…

ثمة بعض آخر وقف ضد الاستقلال واعتبره لقيطاً لأنه جاء من دون دماء كثيرة، وخيانة ضد وحدة الأمة. هل نحن إذن مثل ايطاليا غناء وحداء وايضاً شمال وجنوب لم ينجح غاريبالدي في توحيدهما؟ هل نحن اليونان حضارة في القِدم، تخلّف في عصور التقدم، وخداع في كل العصور، وحزن ومآسٍ، وحروب ازلية، وخوف دائم، وتقية ابدية؟ شعب يستنكر وطنه ويخجل به ويبحث كل يوم عن صفقة يعقدها ضده، ويسمي جمهوريته الكيان، مشبّهاً إياها باسرائيل؟

لم تحدث هذه الظاهرة في أي مكان آخر من كوكب الارض. لم يحدث في تاريخ البشرية ما حدث لهذه الأرض: مرة ينكرها بعض اهلها لمصر، ومرة يكرهها بعض آخر من اجل فلسطين، ومرة يطلب البعض النجدة من اسرائيل أو الغرب. هذا في المعلن، أما في الباطن، فصراع دائم في المشاعر ونوايا مخفية وعقائد وطوائف وانحلال وطني وخلقي ومواربة.

وما ان يخرج هذا الكائن الخائف فشخة خارج قفص الحدود، حتى يبدع ويجلّي: عالماً أو تاجراً أو كاتباً، أو اكاديمياً، أو متسلقاً جبال الهملايا. أو الحملاوي في الاطلنتيك. أو أهم طبيب قلب في العالم. أو جورج عطاالله أهم مزارع بن في البرازيل، غابة البن الاكبر. بل رئيساً في البرازيل. ولولا بشرته لأصبح رئيساً عشرين مرة في افريقيا. لكنه هنا يبيع بلده عشرين مرة من اجل ان يصبح رئيساً على نادٍ كشفي. وهو في اميركا يقرر مصير الانتخابات الرئاسية مثل رالف نادر، بينما هنا يكسر أعتاب القريب والبعيد من اجل صورة العرض في “عيد الاستقلال”. عيد واستقلال وأيها الاخوة اللبنانيون!

في اثناء البحث عن سر “اللبنانيون” ومن يشبهون من الاعراق والاجناس، قرأت بالصدفة رواية “مومو” لتورغينيف. يعمل البطل، جراسيم، بواباً عند سيدة موسكوبية ثرية، وهو رجل اصم ابكم ضخم الجثة طيب القلب. وقع جراسيم في حب غسالة المنزل، لكن ربة البيت امرتها بالزواج من اسكافي الحي. حزن جراسيم حزناً جماً. وذات يوم كان يتمشى قرب النهر فرأى كلبة تغرق فقفز وأنقذها، وكرس لها كل حياته تعويضاً عن حرمانه من الغسالة. إلا ان نباح الكلبة في الليل جعل ربة المنزل تأمره بقتلها. اخذ الكلبة الى النهر وربط عنقها بحجر ورماها في المكان الذي انقذها فيه، بدل ان يتمرد على أمر سيدته. لكنه لم يعد الى عمله بل اكمل طريقه الى قريته التي تبعد بضعة ايام. اراد تورغينيف القول ان الشعب الروسي الأبكم والأصم، يتجاهل قهر السلطة، لكنه يبحث عن حريته الداخلية في اي مكان. اسمعوا النصيحة: هاجروا. افعلوا ما فعله الروسي: صبروا 70 عاماً على تلك الفكرة الخرقاء: لا فرد ولا حرية.

لم يقرأ السوفيات جيداً الأدب الروسي. لم يتذكروا ان اعظم المدافعين عن البسطاء واعداء الرقّ كانوا من النبلاء: بوشكين، ابو الأدب الروسي، وتولستوي موزع ثروته على الفقراء، وتورغينيف الاريستوقراطي، وحتى دوستويفسكي، الذي كان فيه “شريان” أزرق.

استغلت مائة عائلة الملايين من الروس. وخنقت “ارواح الروسيا” أي حريتها. ولم يدرك الروس الجدد ان الاستبداد واحد، قيصرياً كان أم لينينياً.

ومَن لا يعجبه فليسافر، لكن المرفأ طائر والمطار معتم والتذاكر بالدولار. كم اضحك فيلمون وهبي قلوبنا في “المحطة”: تذاكر. تذاكر.