الياس خوري - القدس العربي

في مواجهة الجريمة – الياس خوري – القدس العربي

تتصرف الطغمة السياسية في لبنان وكأنه لا وجود لجريمة. الجريمة صار اسمها أزمة، والأزمة اتخذت شكل انهيار اقتصادي واجتماعي يمكن معالجته عبر ترتيب ما تيسر من أحوال شعب ضربه الفقر والجوع والإفلاس.

يقال إن الأزمة وجدت بدايات حلها في تشكيل حكومة لها رئيسان وربما ثلاثة. ميقاتي في سباق يومي مع عون على الإمساك بالملفات التي صار معظمها في يد الرئيس الثالث الذي يلعب دور الحَكَم متمثلاً بالسيد نصرالله.




لعبة الطغمة الحاكمة وصلت إلى حافة النجاح من دون أن تنجح بشكل كامل، فالتناقضات التي تعصف في تشكيلتها لا تحصى. وحافة النجاح لم تكن ممكنة لولا قدرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على التلاعب بالكلام والإيحاء بأن الحكومة هي ثمرة مبادرته، بينما يعرف الجميع أن المبادرة الفرنسية ماتت يوم ولادتها.

غريب أمر السياسة الفرنسية، من جاك شيراك الذي باع لبنان للهيمنة السورية من أجل «صديقه» رفيق الحريري، إلى إيمانويل ماكرون اللاهث خلف الصفقات مع إيران ومحورها، والذي أبرم صفقة لا تزال غامضة الملامح مع إيران حول لبنان.

نجحت الطغمة الحاكمة في مستويين:

الأول والأهم هو تكريسها للتوازنات اللبنانية كإطار للتوازنات والصراعات الإقليمية والدولية. لم يعد هناك سؤال لبناني، صار السؤال هو ماذا تريد الدول من لبنان؟ وكيف تحول هذا البلد الصغير إلى ساحة خلفية للصراعات الإقليمية. هكذا وبعد انتصار العنف والقمع على الانتفاضة الشعبية، اختفى شعار «الشعب يريد». فالشعب اليوم يقف ذليلاً أمام جبروت المصارف ولصوص الكهرباء والبنزين والمازوت، يخاف من حاضره ولا يثق بغده. لقد أعيد الناس إلى أسوأ أيام الحرب الأهلية، حيث لم يكن هناك حاضر أو مستقبل، بل كانت أمنية الناس هي الاستمرار على قيد الحياة وسط سيل القذائف المتطايرة.

بلد تحكمه الدمى، خيالات ظل مخيفة، خلفها أضواء متداخلة يطلقها مخرجو هذا العرض، يقترب الضوء من أحدهم فيكبر ويستطيل ويحتل حيزاً كبيراً من الشاشة، ويبتعد الضوء عن آخر فيتصاغر وينزوي. لكن حين تنقطع مصادر الضوء، سوف نكتشف أننا أمام مجموعة من الدمى الصغيرة البشعة.

والثاني هو نجاحها في تحويل النقاش حول الكارثة الاجتماعية- الاقتصادية إلى نقاش تقني.

المسألة لم تعد أين تبخرت أموال المودعين في المصارف ومن شفطها وكيف يمكن استعادتها ومحاسبة عصابة المجرمين التي نهبت وسرقت واستباحت.

العصابة تمسك بالسلطة، وستقود عملية الإصلاح، يا للعجب! كأننا عشية نهاية الحرب الأهلية المسلحة، حين صدر ذلك القانون الذي داس على كل القوانين، وأُطلق عليه اسم قانون العفو. يومها، تسلمت الميليشيات السلطة تحت رعاية المخابرات السورية. وقيل إن زعماء المقتلة الوحشية اللبنانية سوف يصنعون السلام!

الحكاية نفسها تتكرر، اللصوص والأوغاد سوف يقودون الإصلاح المالي والاقتصادي، بما يتمتعون به من كفاءات في ميادين النهب والبَلْص والتشبيح وتهريب الأموال إلى الملاذات الآمنة!

الدوامة نفسها. بعد الطائف، استولت بعض الميليشيات على الدولة عبر حلف جهنمي بين السلاح والمال الذي أوصل لبنان إلى هذا الانهيار المخيف. واليوم تقوم قوى المنهبة بعملية تضليل كبرى، موحية بأن من نهب وقاد عمليات التهريب سوف يصلح ما فسد، من خلال حلف جديد بين زعماء الطوائف، الذين تحولوا إلى حيتان مالية، وبين حيتان المصارف.

اللعبة واضحة المعالم، وفحواها تحويل المسألة إلى واقع عبثي، كأن الانهيار كان قضاء وقدراً، وبالتالي لا مجال لمحاسبة أبطاله ولصوصه، لأنك لا تستطيع أن تحاكم القدر. هذا هو تشخيص وزير الصحة السابق السيد حمد حسن، لانفجار نترات الأمونيوم في المرفأ، إنه قضاء لا يُرَد وقدر لا يمكن مواجهته.

ولكن حين حاول قاضٍ أن يقول بأن العدالة ممكنة، وبأن السلطة القضائية تستطيع محاسبة القتلة، قامت الدنيا ولم ولن تقعد. صار القاضي متهماً، والمتهمون قضاة. هكذا يتصرف الوزراء السابقون الذين استدعوا إلى التحقيق، متسلحين بادعاء الحصانة في بلاد أفقدوها كل حصاناتها.

في المعركة التي تخاض ضد القاضي طارق البيطار، بدت الطبقة الأوليغارشية عارية أمام الحقيقة، وفجأة صار الذين يتقاتلون على فتات مائدة الانهيار حلفاء. حسان دياب يحتمي بالحريري، والمشنوق يلجأ إلى دار الفتوى، والثنائي زعيتر والخليل يحتميان برئيس مجلس النواب، وفنيانوس في زغرتا، والجميع في حماية حزب الله.

فجأة، توحدت كل القوى السياسية المتصارعة كي تخنق العدالة، وتناسى الجميع الخلافات والأحقاد وصاروا جوقة واحدة في مواجهة ضحاياهم.
هذا الاصطفاف «الوطني» لا يحصل إلا في مواجهة الشعب اللبناني الذي لا يعترفون بوجوده ويسعون لتفكيكه في علاقات طائفية زبائنية.

بالأمس تحالفوا في انتخابات نقابة المهندسين ومنيوا بهزيمة مخزية على أيدي تحالف «النقابة تنتفض».

واليوم يتحالفون تحت الطاولة في انتخابات طلاب الجامعات ضد النوادي العلمانية، التي تشكلت كإطارات نقابية- ثقافية تجسد الروح الجديدة التي تبلورت ملامحها الأولى في انتفاضة تشرين.

تحالف الأضداد، وشراكة الكراهية، توحد طبقة فتت لبنان ورمته على أعتاب السفارات والقوى الإقليمية.

المعركة الطويلة مع هذا النظام المليء بالتناقضات لها هدف مركزي، هو تأكيد وجود الشعب كنسيج سياسي اجتماعي في مواجهة التذرر والتفكك والخنوع.

معركة وجود هذا الشعب الذي يريدون منعه من أن يقول أو يريد أو يقرر لم تحسم كما يظنون، فكل الألاعيب وعمليات تصوير الإفلاس على أنه مسألة تقنية يمكن حلها بالشعوذة ستبوء بالفشل.

ولن يبدأ الإصلاح إلا حين يتم التعامل مع جريمة نهب لبنان وشعبه بصفتها جريمة يجب الاقتصاص العادل من مرتكــبيها.