عون- ميقاتي تجربة جديدة من المساكنة: هل تنجح؟

سابين عويس – النهار

منذ أن تشكلت حكومة الرئيس #نجيب ميقاتي، وحددت أولويتها في معالجة الملف المالي، وقررت التعاون مع صندوق النقد الدولي، وطلبت منه رسميًا الدخول في برنامج معه، بدا رئيس الجمهورية حريصًا جدًا على مشاركة رئيس الحكومة في كل الخطوات المتصلة بهذا الملف خصوصًا وبعمل الحكومة في شكل عام. هذا الحرص الرئاسي على مواكبة الحكومة في كل خطواتها اثار تساؤلات عديدة في الوسط السياسي حيال الاسباب الكامنة وراءه. هل تقتصر فقط على الشكل، بحيث يريد #عون في السنة الاخيرة من ولايته ان يظهر اهتمامًا وحضورًا لا يقلل من وهج الرئاسة عمومًا ، والرئيس القوي على وجه الخصوص، انطلاقًا من اقتناع لدى فريقه الاستشاري ان المشاركة اليومية والمواكبة يعززان حضوره في المشهد السياسي بعد اعوام من العزلة والنشاط الضعيف المقتصر على الحلقة التي يدور في فلكها، او هو يعود إلى رغبة رئاسية في التأكيد ان عون نجح في استعادة وهج الصلاحيات الرئاسية المسلوبة بفعل دستور الطائف، فيقاسم رئيس الحكومة صلاحياته او حتى يقلص هامش ممارسته لتلك الصلاحيات، بحيث يبدو هو الآمر الناهي وصاحب الكلمة الفصل؟. وهو حتمًا لا يلقى معارضة لدى الحليف الشيعي الذي يسير في طريق تحقيق مكاسب وتقاسم صلاحيات مع الشريك السني، او لدى الفريق المسيحي الآخر المعجب بمسألة الرئيس الاقوى في طائفته، لما تفتح له من طريق نحو بعبدا، على قاعدة انه سيكون الاول في مرحلة ما بعد عون.




في الحالتين، لا يغيب قصر بعبدا شاردة الا ويعبر فيها عن موقف رئاسي من القضايا المطروحة. بل يذهب ابعد إلى حد دعوة رئيس الحكومة للاطلاع منه على اجواء تحركاته، فيما يتجاوب ميقاتي في شكل لافت مع هذا الوضع، ويعززه بالتأكيد على اجواء التعاون السائدة، في مراعاة واضحة للرئاسة ورغباتها، ومحاولة أكثر وضوحًا في عدم الذهاب إلى اي مواجهة او استفزاز. ويدرك ميقاتي ان الاشهر القليلة لعمر حكومته لا تسمح بالدخول في مبارزات على الصلاحيات، خصوصًا وان الحاصل حتى الآن لا يتجاوز العراضات السياسية، ولم يمس بالنسبة اليه، جوهر الصلاحيات، خلافًا لما هو سائد في الشارع السني عمومًا، وينفٓس في الوقت عينه احتقانًا مزمنًا، ولا يؤدي إلى تغيير او تعطيل في السياسات القائمة.
يدرك عون أن اللجوء إلى التعطيل في هذه المرحلة سيرتد سلبًا عليه وعلى الفريق الذي يمثله. وهو كان تعرض لضغط فرنسي كبير من اجل تسهيل تأليف الحكومة، ويدرك كذلك ان باريس تواكب عن كثب الحكومة وتقدم لها شتى التسهيلات الممكنة. حتى أن موفدها إلى بيروت الممسك بالملف المالي والاقتصادي السفير بيار دوكان يتحرك في شكل ملفت بين الدوائر الرسمية، كما يقوم بإجراء تدقيق مالي استوقف المراقبين لجهة خلفياته وحيثياته. وفيما وصفه البعض بأنه تدخل فاضح في عمل الادارات ال#لبنانية، قلل البعض الآخر من اهميته، بالإشارة إلى انه يصب في إطار تقديم المساعدة والمشورة من اجل تسريع عملية تدقيق الحسابات وتبيان حجم الخسائر الحقيقية، بعد التغييرات الكبيرة التي شهدها القطاع المالي، والتباينات الحادة بين الفريق اللبناني الواحد في مقاربة مسألة الخسائر. وعلم في هذا الاطار، انه كان لدوكان الذي كان يتبنى بقوة وجهة نظر الفريق الاقتصادي لحكومة حسان دياب، جلسة مناقشات طويلة مع اعضاء في فريق ميقاتي افضت إلى شرح وجهة نظر هذا الفريق في مسألة احتساب الخسائر وعملية توزيعها وفقاً لتوزع المسؤولية فيها، وليس على قاعدة تحميل جهة دون اخرى، لما رتبه ذلك سابقًا من ضرب للثقة بالقطاع المالي.

جاءت جلسة مجلس الوزراء في السرايا الحكومية برئاسة ميقاتي لتضع حدًا لأي توسع في الاجتهادات حيال ممارسة ميقاتي لصلاحياته، علمًا ان حكومة سعد الحريري السابقة عانت من الممارسة عينها، وان نتيجة تفاهم ساد في حينها بين الرئيسين. وجاءت القرارات المتخذة في تلك الجلسة لتعكس بدورها حرص ميقاتي على ممارسة صلاحياته حين كلف رسمياً وزير الاشغال العامة والنقل علي حمية التواصل مع سوريا والاردن والعراق وتركيا من اجل درس امكانية الغاء رسوم الترانزيت على الشاحنات والبرادات التي تعبر الاراضي السورية.

صحيح أن قرار الانفتاح على دمشق متخذ ولكن إجراءاته التطبيقية صدرت عن ميقاتي مباشرة.

لا تخشى أوساط قريبة من ميقاتي أن يعمد الفريق الرئاسي إلى التعطيل لأن لا مصلحة له بذلك على أبواب أفول العهد. فالتعطيل سيقابل بتعطيل مماثل من قبل رئاسة الحكومة لكل الملفات التي يرغب العهد بالسير بها من اجل تسجيل انجازات، وان كانت وهمية وفق ما تصفها مصادر معارضة لعون، بحيث انها لا تُرصد عمليًا على ارض الواقع.

وفي رأي هذه المصادر ان عون لن ينفك عن المحاولة في اقتناع منه انه سيُسجل لعهده انجازاً، غافلًا عن حقيقة ان اي انجاز مهما علا شأنه لن ينسي اللبنانيين السنوات العجاف المحفوفة بالمآسي والانهيارات والألم التي شهدوها تحت رعايته. وترى المصادر ان المهم اليوم لبعبدا عدم الخروج من المشهد السياسي، والعودة إلى العزلة الداخلية والدولية، اضافة إلى الامر الاهم، الحفاظ على القدرة على مواكبة الاستحقاق النيابي، ولا سيما بعد التراجع اللافت للتيار الوطني الحر.

لكن كسر العزلة الدولية على لبنان والتي نجح عون في الافادة منها توجها قبل ايام بلقائه وزير الخارجية الايراني حسين عبد الامير اللهيان، ما يطرح مجددًا الاسئلة، عن الخلفيات الحقيقية الكامنة وراء الزيارة الايرانية وسياقها التصاعدي غداة احتفالية وصول المازوت الايراني، علما ان رأس الدبلوماسية الايرانية لم يخف تلك الحيثيات عندما قدم مساعدة بلده لتنفيذ مشاريع بنى تحتية تدغدغ اللبنانيين كونها تتصل بملفي الكهرباء والنقل بعد الارتفاع الهائل في أسعار المحروقات.

حتى الآن، يتعامل الرئيسان مع بعضهما على قاعدة مساكنة فرضتها الظروف. لكن الامر لن يطول كما تقول مصادر سياسية مواكبة، عندما تقترب الاستحقاقات من مواعيدها. وتشير المصادر ان استحقاقاً داهماً سيؤشر إلى مسار العلاقات الرئاسية ويكمن في التشكيلات الديبلوماسية، ولا سيما في العواصم الكبرى، حيث فهم ان عون يتمسك بتعيين اعلامية، زوجها من اعضاء نادي السبت الذي خرج منه البعض على خصومة، فيما خرج السفير السابق لدى واشنطن عبد الله بو حبيب وزيرا للخارجية!