ناشطون لبنانيون يطاردون السياسيين في كل مكان بحثا عن عدالة رقمية

ينشر النشطاء الرقميون في لبنان البث المباشر للسياسيين الذين يتعرضون للاستهجان في المطاعم مع عناوين المصرفيين. فهم محبطون من غياب المساءلة مع انهيار بلدهم، ويفرضون تصورهم الخاص للعدالة الافتراضية.

ويشارك هؤلاء النشطاء تفاصيل شخصية لأولئك الذين يلومونهم على التدهور المالي للبنان ومواقعهم في الوقت الفعلي، حيث يرون أنهم دفعوا أكثر من ثلاثة أرباع السكان إلى الفقر، وتسبب إهمالهم في انفجار ميناء بيروت العام الماضي، والذي خلف أكثر من 200 قتيل. وغالبا ما تشجع المنشورات أي شخص قريب على مواجهة أولئك الذين تسرّبت معلوماتهم وتوبيخهم بسبب لعبهم دورا في انهيار البلاد.




تبدو الخطوات المنظمة التي يتبعها النشطاء اللبنانيون لكشف تجاوزات السياسيين مثمرة وجاذبة للانتباه محليا وخارجيا

ويقول المشاركون في هذه الممارسات لمؤسسة تومسن رويترز إن الأمل يكمن في أن التسمية والتشهير العلني يمكن أن يوفرا الراحة للعائلات المتضررة أو يكونا بمثابة بديل مؤقت للعدالة من خلال المحاكم.

وقال بول ناغير، المهندس الذي قُتلت ابنته ألكسندرا البالغة من العمر 3 سنوات في انفجار مرفأ بيروت العام الماضي، “عندما نرى منشورات تأتي من مجموعات المراقبة الرقمية، نشعر بأننا لسنا وحدنا”.

وتحدث إلى مؤسسة تومسن رويترز بعد أيام فقط من تعليق السلطات اللبنانية تحقيقا في قضية الانفجار. وقال “في بلد لا توجد فيه عدالة، لا يمكنني التفكير في طريقة أخرى. هذا يعني أن السكان سينالون حقوقهم بأنفسهم”.

ونما الاهتمام العام بثروة الشخصيات السياسية منذ الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في لبنان. ونشرت عدة وكالات إخبارية كبرى تسريبا هائلا لوثائق مالية يوم الأحد، يُزعم أنها تربط قادة العالم بمخازن ثروة سرية، بما في ذلك رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ورئيس الوزراء السابق حسان دياب ومحافظ البنك المركزي رياض سلامة.

تعقُب منظم

كانت “ثورة ماب” الأبرز بين الحراس الافتراضيين، وهي صفحة على إنستغرام أسسها نشطاء مجهولون في 2019 لتقديم الدعم اللوجستي للاحتجاجات المناهضة للنظام في لبنان.

وقال مسؤول صفحة في ردود مكتوبة عبر إنستغرام “تطور هذا إلى المساعدة في تحديد السياسيين في الأماكن العامة وتحمل المزيد من المسؤوليات، مثل إظهار أنماط حياتهم الفاخرة وأسفارهم بينما لا

يستطيع الأشخاص (العاديون) الوصول إلى أموالهم الخاصة”.

وكانت التعليقات تشير إلى القيود المصرفية التي حرمت معظم اللبنانيين من مدخراتهم خلال العامين الماضيين. وتحشد المنصة المصادر وتنشر معلومات عن كل شيء بدءا بطلب غداء أحد المصرفيين وأسماء حراس الأمن اللبنانيين الذين شوهدوا وهم يضربون المتظاهرين ووصولا إلى الشركة التي تنظّم حفل زفاف ابنة أحد السياسيين، ثم تطلب من أكثر من 50 ألفا من أتباعها مواجهة الأهداف.

وتشعر النخبة السياسية في لبنان بالضغط. وقد قالت مي خريش -وهي مسؤولة كبيرة في التيار الوطني الحر، أكبر حزب سياسي مسيحي في لبنان- إن خروجها قلّ بعد نشر مكان وجودها على الإنترنت ومواجهتها ثلاث مرات في أجزاء مختلفة من البلاد خلال الأشهر الـ18 الماضية.

وقالت في مقابلة عبر الهاتف إن “الوضع متوتر دائما. إذا كنت بالخارج في مكان ما وكان لبنانيون مناهضون للحكومة هناك، يقتربون مني أحيانا وأحيانا لا يفعلون ذلك، ويحدقون فيّ”.

وقال ميقاتي في يوليو الماضي إن السياسيين “يخجلون من السير في الشوارع”، وحظر مسؤولون آخرون التقاط الصور من الأحداث التي يحضرونها لتجنب التسريبات.

ويرى جينو رعيدي -المدون البارز الذي شجع الناس في وقت سابق من هذا العام على مقاطعة قائمة المطاعم والأماكن التي قال إن أصحابها ذوو انتماءات سياسية- أن هذا يعني أن الضغط من أجل المساءلة يؤتي ثماره، وأن “هؤلاء مجرمون ويجب ألا يكونوا قادرين على عيش حياتهم بشكل طبيعي أو الخروج وكأنهم لم يفعلوا شيئا وهم متورطون في كل المشاكل التي يواجهها لبنان”.

انتهاك للقانون

تبدو الخطوات المنظمة التي يتبعها النشطاء اللبنانيون لكشف تجاوزات السياسيين ومن معهم وتسليط الضوء على تجاوزاتهم مثمرة وجاذبة للانتباه محليا وخارجيا، لكنها قد تسير بهم نحو عقوبات قانونية يفرضها القانون اللبناني المتشدد في كل ما يتعلق بالقادة السياسيين.

وقالت ليندا قاسم -وهي مستشارة السياسات في وزارة الاقتصاد التي شاركت في صياغة قانون الخصوصية الرقمية لسنة 2018 في لبنان- إن هؤلاء النشطاء يسيرون في خط قانوني محفوف بالمخاطر. وأوضحت أن بعض المشاركات التي تشارك معلومات خاصة يمكن اعتبارها غير قانونية. وقالت قاسم “إذا لم يحصلوا على موافقة على الموضوع فهذا يعني أنهم ينتهكون القانون”.

ويعاقب قانون الخصوصية لسنة 2018 المخالفين بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات وغرامة تتراوح بين مليون و30 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل حاليا سعر السوق الحقيقي الذي يتراوح بين 70 و2000 دولار.

ويمكن معاقبة المنشورات التي تعتبر تشهيرية بموجب قانون الصحافة وقانون العقوبات في البلاد.

وجرى استجواب المدون رعيدي عدة مرات في السنوات الأخيرة حول نشاطه، لكن معظم الآخرين -بما في ذلك صفحة “ثورة ماب”- مجهولون ويفضلون البقاء على هذا النحو لتجنب المشاكل القانونية.

وأثارت الحملة، مثل غيرها من الحركات الداخلية الافتراضية في جميع أنحاء العالم، وموجة الاستقصاء في لبنان نقاشات حول الدقة (تم تعريف بعض الأفراد بشكل خاطئ على أنهم مرتبطون بالسياسيين) والأخلاق، حيث بدأت الحملات تشمل أبناء المسؤولين الحكوميين.

وأقر ناغير بأن التكتيكات غير تقليدية، لكنه قال إنها ضرورية طالما أن المساءلة الرسمية لا تزال بعيدة المنال.

وتابع “هناك الكثير من الناس غير مرتاحين لها، وترى الكثير من ردود الفعل مثل: ‘ما علاقة أطفالهم؟’… إنه أمر مثير للجدل. لكن في النهاية، ما هي الأساليب الأخرى التي يمكنك اتباعها لممارسة الضغط؟ ليس لدينا خيار آخر”.