هل يستقبل الأسد باسيل إذا لم يكُن برفقة “عمِّه” الرئيس؟

سركيس نعوم – النهار

حسناً فعل مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة رئيسه نجيب ميقاتي قبل يومين في السرايا الحكومية باتّخاذ قرار العودة إلى الاتصال والتزاور والتشاور والتعاون مع الحكومة السوريّة من أجل إيجاد حلول ثابتة ونهائيّة أو موقّتة لعددٍ كبيرٍ من المشكلات التي يُعانيها لبنان منذ مدّة طويلة، والتي تفاقمت كثيراً بعد دخوله منذ ثورة تشرين 2019 حال انهيار اقتصادي ومالي ونقدي وفقر وذلّ وتعطُّل الدولة فيه بل فشلها وتزعزع استقراره الأمني واقترابه من مرحلة الفوضى الشاملة وربّما لاحقاً الحرب الداخليّة لا قدَّر الله. صحيح أنّ الحكومات السابقة لم تتّخذ مبادرة عودة الاتصال مع #سوريا من تلقاء نفسها رغم مُناشدة حلفائها في لبنان أصحاب “الأيدي الطايلة” والنفوذ القويّ والواسع في الدولة اللبنانيّة وشقيقتها السوريّة كما في المنطقة. صحيحٌ أيضاً أنّ بعض دوافعها كانت منطقيّة لا كلَّها طبعاً مثل انحياز سوريا إلى فريقٍ لبنانيٍّ وازن، بل الأوزن في سياسته وطموحاته الداخليّة وسياساته الإقليميّة، ومثل رفض غالبيّة شعوب لبنان ذلك لأسباب كثيرة رغم انقسامها وضعفها وعجزها عن مواجهة الفريق الوازن المُشار إليه. من الأسباب مسؤوليّة سوريا قبل وقوعها في حربٍ أهليّة تحوَّلت إرهابيّة عن فشل لبنان يوم كانت “وصيّة” عليه بعد اتفاق الطائف في تطبيقه كاملاً وعن ممارسة دولته استقلالها وحريّتها، ويوم صار هدفها تغيير الأوضاع الداخليّة فيه على نحوٍ يجعله ساحة خلفيّة دائمة لها، وإقامة دولة جديدة فيه تكون تابعةً لها إلى أن تسمح الظروف في المستقبل بـ”عودتها إلى الحضن الأم” سوريا التي تؤمن غالبيّة شعبها أنّه كان جزءاً منها.




لكن الصحيح أيضاً أنّ استمرار الوضع المشروح أعلاه زاد من أعباء لبنان ومشكلاته مثل تصدير منتجاته المتنوّعة إلى الدول العربيّة عبر الأراضي السوريّة، ومثل زيادة الحكومة السوريّة الرسوم المتنوِّعة على التصدير المذكور، ومثل إمّحاء الحدود اللبنانيّة الرسميّة عمليّاً بواسطة المعابر غير الشرعيّة التي استُعملت لهدفين. الأوّل ربّما يكون مشروعاً للفريق اللبناني الحليف لنظام الأسدَين الحاكم سوريا منذ 1970، وهو انتقال مُقاتليه وسلاحهم الى سوريا للاشتراك في حربها على الإرهاب كما تقول. وقد بدأ ذلك رسميّاً عام 2011 ولمّا ينتهِ لغاية اليوم. فضلاً عن أنّ هناك هدفاً آخر من ذلك للفريق نفسه هو نقل السلاح الإيراني المُتنوّع والمُتطوّر من دمشق إلى لبنان بسهولة ويُسر. وإذا كان الاستعمال المُحدَّد المذكور يؤذي فريقاً لبنانيّاً واسعاً، فإنّ الاستعمالات الأخرى للحدود المفتوحة بحكم الأمر الواقع بل الممحيّة ألحقت ضرراً كبيراً ولا تزال باللبنانيّين كلّهم جرّاء التهريب المنُظّم والتهريب العشوائي بين لبنان وسوريا للمحروقات والمُنتجات الزراعيّة والبضائع على تنوِّعها وللعملات الصعبة، كما للذين يرتكبون جرائم في لبنان ثمّ يفرّون بعد ذلك إلى سوريا.

طبعاً لا تعني عودة الاتصال الرسمي بل الحكومي بين بيروت ودمشق عودة للعلاقات السابقة غير السويّة. فذلك موضوعٌ كان خلافيّاً بين شعوب لبنان ولا يزال كذلك. وسيبقى كذلك طالما استمرَّ انقسام اللبنانيّين بين شعب مُسلّح حتّى الأسنان بحلفه معها ومع إيران مُنقذتها معه من الانهيار أمام الثوّار وثلاثة شعوب ترفض غالبيّتها هذا الواقع وتحنّ إلى عودة علاقاتها السويّة مع أشقّائها العرب كما مع دول الخارج المُتنوّعة ومعظمها غربي. بل تعني أنّ حاجة لبنان فرضتها وكذلك حاجة سوريا إلى ترتيب علاقاتها مع أشقّاء عربٍ لها ولا سيّما الأردن المُجاور لها ومصر التي يفصلها عنها البحر الأبيض المتوسّط ولكن بمسافة غير كبيرة. علماً أنّ انفتاح الدولتين الأخيرتين على سوريا بدا في المرحلة الأخيرة حاجة لهما وربّما لحليفتهما أميركا ولا سيّما بعد بوادر ابتعادها عن المنطقة وليس انسحابها التامّ منها.

في أيِّ حال إنّ عودة العلاقة الرسميّة بين بيروت ودمشق تحت الاختبار. فإذا حقَّقت النتائج السريعة المرجوّة منها، وأهمّها توفير الطاقة الكهربائيّة للبنانيّين وتسهيل تصدير مُنتجاتهم الزراعيّة والصناعيّة والحدّ من التهريب وليس وقفه لاستحالة ذلك، يمكن توقُّع توقّف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن رفض زيارة سوريا شخصيّاً وحصر ذلك بوزراء حكومته. علماً أنّ علاقته بسوريا وأسدها الإبن كانت ممتازة في وقت مُعيّن، وكانت مزيجاً ناجحاً من التوافق السياسي والنشاط الاقتصادي. وقد حصد يومها ميقاتي ثاني رئاسة للحكومة اللبنانيّة عام 2011. وفي أيِّ حالٍ أيضاً يبدو أنّ رئيس “التيّار الوطني الحر” وصهر رئيس الجمهوريّة النائب #جبران باسيل أراد أن يفتتح موسم الانفتاح على سوريا بزيارة لها وبلقاء مع رئيسها بشّار الأسد. فأجرى الاتصالات اللازمة لذلك قبل مدّة قصيرة، لكنّه فوجئ بموقفها الذي رحَّب بزيارته ولكن برفقة عمِّه الرئيس عون. أظهر ذلك عتب الأسد على امتناع الأخير عن زيارة دمشق منذ سنوات وعدم اكتفاء أجهزته باستقبال اثنين على الأقلّ من العاملين معه دوريّاً في العاصمة السوريّة.

لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذه المرحلة، وما يجب أن ينتبه إليه اللبنانيّون هو أنّ شخصيّات عدّة معروفة بمناهضتها النظام السوري رغم أفضاله عليها في السابق أي قبل 2005 وبعده، ربّما تسعى لإعادة التواصل معه رغم مواقفها العلنيّة المُعادية له ولطروحات حلفائه. وقد يكون الطموح إلى رئاسة الجمهوريّة السبب بذلك. في هذا المجال يتردَّد أنّ واحدة من هذه الشخصيّات زارت دمشق مرّتين قبل مدّة. فهل كانت زيارة سياسيّة أو استعادة لاتصال وتعاون أو زيارة لأقارب أو لم تحصل؟ المعلومات المتوافرة لا توضح ذلك.