ما بين عبد اللهيان ودوكان تقاسم وصاية أو تنازع عليها؟

سابين عويس – النهار

منذ أن أبصرت حكومة الرئيس #نجيب ميقاتي النور، بعد محاولتين فاشلتين لكلّ من الرئيس الأسبق سعد الحريري والسفير مصطفى أديب، على مدى أكثر من عام، بدا واضحًا انّ هذه الولادة لم تكن لتحصل لولا الضغط الخارجي المزدوج لكلّ من باريس وطهران. وقد تبلور الضغط الفرنسي من خلال تواصل الرئيس إيمانويل ماكرون بالرئيس اللبناني ميشال عون، فضلًا عن اتّصال مماثل بالرئيس الايراني المنتخب حديثًا، أعطى الضوء الأخضر لقيام حكومة مقبولة دوليًّا، وانّ من خارج المعايير أو المواصفات التي كانت طرحتها المبادرة الفرنسية ولاقت ترحيبًا عربيًا ودولياً.




كان واضحًا للفرنسيين انّه لا يمكن العبور الى حكومة بالقفز فوق طهران، ومن دون التفاهم مع الايرانيين. ورغم ان هذا الامر كان موضع سخط واستياء لدى جانب من اللبنانيين المعترضين على تسليم لبنان للوصاية الايرانية، بعدما رأوا في مواقف ماكرون ما وصفوه بـ”الخيانة” للسيادة اللبنانية، إلّا انّه كان السبيل الوحيد امام الرئيس الفرنسي، وهو على ابواب انتخابات رئاسية، لتحقيق إنجاز خارجيّ، ليس على المستوى السياسي فحسب، وإنّما على المستوى الاقتصادي، حيث كان جليًا انّه سيكون لفرنسا حصّة الاسد في مشروعَي اعادة تأهيل قطاع الكهرباء وبناء مرفأ بيروت، اذا صمد التفاهم.

وفي حين كان يرى هؤلاء انّ خطوة باريس غير منسّقة مع واشنطن في ظلّ الخلاف المستجد على خلفية صفقة الغواصات مع أستراليا، فقد تبين بوضوح من خلال الترحيب الأميركي ب#الحكومة، ومن ثمّ غضّ الطرف عن دخول النفط الايراني الى لبنان، انّ بيكار “الخيانة” اتّسع ليشمل الولايات المتحدة الأميركية أيضًا. والدليل انّ الاخيرة قلّصت من حجم الضغوطات على لبنان، من خلال رفع الحظر عن استجرار الغاز المصري، واستثناء سوريا من عقوبات قانون قيصر، وصولًا الى السماح لميقاتي بإعادة التواصل مع دمشق، تمامًا كما هي الحال مع الأردن، الذي أعاد بدوره الانفتاح على العاصمة السورية على مختلف المستويات.

في السياق التطبيقي لهذا المسار، شهد لبنان حركة دبلوماسية خارجية واسعة خرقت العزلة التي وُضع فيها بعد تشكيل حكومة حسان دياب.

هذه الحركة تبلورت أكثر في بعدها التنفيذي على محورين أساسيين عكسا شكل الوصاية التي بات لبنان خاضعًا لأحكامها: الفرنسي، من خلال الموفد الباريسي السفير #بيار دوكان، الذي يتنقّل بحرية مطلقة بين الإدارات تحت ذريعة مواكبة الإصلاحات المالية المطلوبة، والمحور الثاني ايراني، وأبرز تجلّياتها المستفزة لشريحة واسعة من اللبنانيين مقابل ترحيب عارم لشريحة أخرى مقابلة، زيارة وزير الخارجية #حسين أمير عبد اللهيان، وهو احد ابرز المتابعين للملفّ اللبناني، والزائر شبه الدائم لبيروت.

في شكل متوازٍ، يعمل دوكان على الملفات الموجودة بين يديه من أجل تسهيل تحديث خطّة التعافي الحكومية التي سيرفعها ميقاتي الى مجلس الوزراء لنيل موافقته، على ان تقدّم الى صندوق النقد الدوليّ، لمباشرة المفاوضات حول برنامج معه. علمًا انّ حكومة ميقاتي ذهبت مباشرة الى طلب البرنامج وليس كما فعلت حكومة دياب التي استنجدت بالصندوق لمساعدة تقنية. والسبب انّ فكرة البرنامج لم تكن قد نضجت بعد، وكانت في حاجة الى تحمية وفرها، الانهيار المتسارع للوضعين المالي والاقتصادي.

وبحسب خلاصات اللقاءات مع المسؤول الفرنسي، فإنّ الأخير يدفع نحو تسريع إنجاز الخطّة للتوقيع مع الصندوق قبل نهاية السنة، قبل ان تدخل البلاد مدار الانتخابات النيابية، من اجل ان يتاح لباريس ان تشحذ دعمًا ماليًا دولياً للبنان، بناء على برنامج وعلى خطوات إصلاحية، يكون لبنان قد التزم بها. ولا ينفكّ دوكان يؤكّد أمام محدثيه ان لا خيار آخر امام لبنان إلّا الصندوق!
على المقلب الموازي، تحرّك عبد اللهيان في موكب عارم في اتّجاه المقرات الرئاسية الثلاثة، مقدّماً كلّ الدعم والتسهيلات التي يحتاجها لبنان.

ويلاحظ انّ زيارة عبد اللهيان التي أتت بناء لمبادرته، تعكس “طحشة” ايرانية في ظلّ انكفاء عربيّ واضح، طالما هو أوّل مسؤول ايراني يزور لبنان بعد تشكيل الحكومة.

في المقابل، وعلى رغم ضخامة الموكب الذي تنقّل به عبد اللهيان، إلّا انّه حرص على عدم إحراج بعبدا والسرايا بإعلان مواقف، مكتفيًا بالتصريح من عين التينة وقصر بسترس.