يوسف بزي - المدن

عزلة اللبنانيين وتسليمهم المطلق – يوسف بزي – المدن

ليس فقط التعب، ولا حتى أقصى درجات اليأس، هما السبب في الخمود التام والتسليم الكامل اللذين يركن إليهما اللبنانيون في تعاملهم مع الأمر الواقع. بل هو الانفصال المذهل الحاصل بين عالمين: عالم السلطة والنفوذ والحكم والقرار من جهة، وعالم المحكومين من جهة أخرى. إنه انفكاك اختارته الأكثرية الساحقة، التي ما عادت تريد أي اشتباك أو عراك مع الحاكمين. تسليم ناجز ونهائي.

الراحة التي تعيشها طبقة الحكام اليوم، من سياسيين واقتصاديين، لا تحلم بها أي سلطة في العالم، ديموقراطية أو مستبدة. هدوء شامل تقريباً. يمكنها أن تفعل ما يحلو لها. ويمكنها أيضاً أن لا تفعل شيئاً. تستطيع أن تستأنف مناكفاتها وصغائرها وارتكاباتها بلا أي قلق. الخطر الذي أحاق بها تبدد. لا “نقمة شعبية” ولا “بهدلة أجنبية”. كل شيء على ما يرام. يمكن اليوم للرئيس نجيب ميقاتي (ولغيره من رموز سياسية) الذهاب إلى أي مطعم بلا خوف، كما كان يتمنى قبل شهرين. يمكن للرئيس ميشال عون استئناف ممارسة رياضته الوطنية في شن الحرب اليومية على الجميع. يمكن لأي وزير أن يقول ما يشاء أو يقترف ما يريد. النواب أيضاً بأحسن حال.. وها هم بعد حصار منهك لسنتين، يعودون إلى “سيركهم” السياسي والتشريعي بلا حرج.




إنها الفترة الذهبية التي تعيشها السلطة، بغض النظر عن المعاناة الهائلة التي تفتك بالبلاد. لقد تخلى اللبنانيون عن تقاليدهم القديمة بالاحتجاج والاعتراض. ابتكروا حلاً لهم ولحكامهم: لكم عالمكم ولنا عالمنا. لا مسؤولية ولا محاسبة ولا مطالبة. افعلوا ما تشاؤون.

الحكمة التي اكتسبها اللبنانيون في غضون السنة الأخيرة، مفادها أن لا طائل من هذه “المعركة” ضد طبقة استولت على كل شيء: الثروة والمصير والسلطة. ولأنها هكذا بالتحديد، أي المالكة والمتحكمة والقادرة، والعصية على الانكسار، فلنتعايش معها بسلام. ننفصل عنها ونتركها لشأنها، فيما نحن نتدبر أمورنا بأقل قدر من الشكوى، وبلا أنين مزعج. راحة البال غنيمة للجميع.

ليس الأمر خضوعاً أو استسلاماً كما قد يتصور البعض. فالمستسلم يضمر في نفسه رغبة عميقة بالثأر، بالتعويض، بانتصار مستقبلي يمحو عار الهزيمة. لا، اللبنانيون ليسوا بهذا الوارد. إنهم أقرب إلى قناعة عقلانية على مثال: ولماذا اقتحام الكهف ومصارعة الدب بيدين عاريتين؟ إنها حماقة وانتحار.

لذا، هناك تسليم مطلق من اللبنانيين لأصحاب الشأن، وقبولٌ باستتبابهم هكذا فوقهم، في عالمهم الخاص، في امتلاكهم السياسة كلها والموارد والإدارة والقانون والقوة. وهناك إيمان راسخ من اللبنانيين بانفصالهم وانعزالهم وابتعادهم ومهادنتهم لأولئك الأقوياء، يتدبرون “مأساتهم” اليومية بوصفها كما يقال بالفرنسية c’est la vie، “إنها الحياة”.

على هذا النحو، وبهذا التأقلم البشري العبقري، تصير المتاعب أكثر احتمالاً وربما أخف وطأة. وذاك الغضب والصراخ والتمرد الذي لم يأتِ بنتيجة، بات متروكاً لبضعة مشاغبين ما عاد باستطاعتهم تعبئة العشرات من المواطنين بعدما كانوا يجيشون مئات الآلاف ويحتلون “البث الحيّ” أياماً متواصلة. تلك حقبة “كابوسية” انطوت وجاءت حقبة أخرى “سلمية” حقاً: الناس في حراثتهم بوحل مصائبهم، وأهل السلطة في قوقعة طمأنينتهم.

قوة الانفصال بين العالمين تأكدت منذ أن توقف اللبنانيون عن الاستغراب والسخط وعن إبداء أي رد فعل تجاه أي فضيحة، مهما كبرت ومهما تمادت. اللامبالاة وتبلد المشاعر تجاه أي اقتراف أو انفضاح هو السائد. ما كشفته مثلاً “وثائق باندورا” بخصوص تلك الحفنة من السياسيين وأصحاب المناصب والثروات، لو أنها تخص شعباً آخر ودولة أخرى لحدث زلزال مدمر. إلا أنها مرّت مرور الكرام عندنا، أشبه بنسمة صيفية. لم يكترث اللبنانيون ولم يندهشوا.. والأهم أن المعنيين بتلك الوثائق لم يرف لهم جفن ولم يبالوا ولم يصابوا بالأرق والقلق. ابتساماتهم في اليوم التالي كانت دليلاً على طمأنينة يحسدهم عليها راهب بوذي. إنهم واثقون تماماً من التسليم الذي أقرّه لهم اللبنانيون.

أبعد من ذلك، الانعزال والانفصال لم يقتصر على العلاقة العمودية مع السلطة، بل هي أفقية أيضاً. إذ عاد اللبنانيون جماعات منفصلة متباعدة. كل جماعة تهتم بشؤونها المحلية والخاصة بلا أي تماس أو توتر مع الجماعات الأخرى. ما عادوا يريدون أي تصادم أو تنافس أو تنازع. تسليم لكل طائفة أو جماعة باستقلالها النسبي، جغرافياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً. بل والتسليم أيضاً -بكل هدوء- للجماعة “الأقوى” في حيازتها ما تريد سلاحاً أو نفوذاً أو نفطاً..

وأغلب الظن، أن سلوكاً عاماً يتنامى، حيث ينفصل كل لبناني (وأسرته الصغيرة) عن الآخرين، بأقل قدر ممكن من المعاشرة الاجتماعية أو التواصل. اقتصار العلاقات على “الضروري” والعابر، من دون اختلاط فعلي. كل لبناني يتحول إلى كائن منعزل، متفرج صامت، بعيد عن أي انفعال ظاهر تجاه ما كان يسمى “الشأن العام”.

لبنان اليوم في هدوء شامل كالمقبرة.