ارفعوا الاحتلال الفرنسيّ – الإيرانيّ عن لبنان

قاسم يوسف – أساس ميديا

بعد ساعات قليلة من تفجير مرفأ بيروت، وصل الرئيس الفرنسي على وجه السرعة إلى لبنان، وفيما كانت العاصمة تنحني كالثكالى أمام هول المجزرة، أخذ الضيف اللطيف يبلسم جراح أهلها ويتجوّل في شوارعهم المهشّمة وبين بيوتهم التي ساوت الأرض، بلا قفّازات ولا كمّامة ولا ربطة عنق، وقد بدا، في مشهديّته الوجدانية والعاطفية تلك، أقرب ما يكون إلى رئيس حقيقي لجمهوريّتهم التي اندثرت، أو تكاد، تحت جبل من الجثث والدموع والركام.




صفّقنا جميعاً لتلك الصورة النادرة، وهي نادرة بالفعل، وأخذنا نستعرض عمق العلاقات التاريخية التي طالما جمعت البلدين والشعبين، منذ ما قبل اغتيال رفيق الحريري إلى ما بعد سحق ثلث بيروت، وهذه عادة طالما برعنا في استخدامها وتطويعها وتسويقها، ليس باعتبارها حدثاً عاديّاً يرتبط على نحو وثيق بالمصالح العميقة للدول، بل انطلاقاً من وجدانيّات وعواطف لا تستوي إطلاقاً مع سياسات الدول وممارساتها، لكنّها تتناغم مع مخيّلتنا المفترضة، التي لا يمكن أن تكتمل إلا بزيارة فيروز وتكريمها بأرفع الأوسمة على الإطلاق، وقد فعلها الزائر الوسيم، فيما كنّا نمسح دموع الفجيعة ونشتهي مشهديّات الأمل والفرح.

هذه الصورة الورديّة، التي لا يمكن تصوّرها إلا في المدن الفاضلة، طغت في شكلها على مضمون شديد الوضاعة، حيث تبيّن لاحقاً، وبما لا يدع أيّ مجال للشكّ، أنّ الدور الفرنسي حال تماماً دون إسقاط الطبقة السياسية بالضربة القاضية، بل وسهّل هبوطها الآمن، بعد عاصفة مجنونة كادت أن تقلب الطاولة بوجههم جميعاً.

في البدايات، جمعهم ماكرون في قصر الصنوبر. قال لهم شكِّلوا حكومة إنقاذ. ثمّ تحوّل إلى متحدّث رسمي باسمهم لتهدئة الخواطر المشتعلة، وقد بدا للكثرة الكاثرة يومذاك أنّ قراراً دوليّاً هائلاً اُتُّخذ بإخراج لبنان من عنق الزجاجة، وبكسر الطوق الرهيب الذي يلتفّ حول عنقه الطريّ، لكنّ تطوّر الأحداث أظهر خلاف ذلك، وبيّن أنّ الدور الفرنسي لم يكن سوى الواجهة الحقيقية للمشروع الذي أجهض ثورة اللبنانيين، وأعاد بعث الأوكسجين بجسد النظام الراقد في سرير موته.

سنة ونيّف تغيّر فيها كل شيء. انقلبت المعادلة تماماً. الناس صارت مشغولة بالحصول على أكلها وشربها ودوائها ومحروقاتها وأبسط وسائل عيشها الكريم. فيما استعادت الطبقة السياسية زمام الأمور عبر تشكيل حكومة نجيب ميقاتي، التي لا تختلف إطلاقاً عن حكومة حسان دياب، إلا لجهة الحضور الفرنسي فيها، وهو حضور يحافظ على مصالحها السياسية والاقتصادية قبل أيّ شيء آخر.

قبل أيام قليلة من تشكيل الحكومة، أبرمت شركة توتال الفرنسية صفقة تاريخية في العراق، تجاوزت 27 مليار دولار، وهذا ما كان ليتمّ من دون موافقة إيرانية تجاوزت الصفقة بعينها، ولامست حدود الحماسة والشراكة والتنسيق الكامل في مختلف الملفّات، فيما جاء تشكيل الحكومة في لبنان ثمرةً مباشرةً لهذه الشراكة الاستراتيجية الوليدة، التي تضمن مصالح البلدين في المنطقة.

ببساطة، فرنسا تريد نفطنا وغازنا ومرفأنا، وإيران تريد ضمان سيطرتها النهائية والكاملة على كلّ المفاصل السياسية والأمنيّة والعسكرية عبر حزب الله، وتريد أيضاً حمايته من أيّ توجّه داخلي أو خارجي لاستهدافه ونزع سلاحه، وهنا تماماً تمّ الاتفاق.

من نافل القول إنّ شراكة مماثلة سوف تصيب لبنان في مقتله، وستسلّمه تماماً للقبضة الإيرانية، لا سيّما في ظلّ تخبّط الساحة الداخلية وهشاشة الجبهات السياسية والوطنية المعارضة، ناهيك عن انهماك عربي ودولي بأولويّات ضاغطة، من أميركا التي باتت تضع نصب اهتماماتها القصوى الصعود الصاروخي للصين نحو قمّة العالم، إلى الدول العربية المختنقة بشؤونها وشجونها ومشاكلها المتراكمة والمترامية، والتي لا تقلّ كارثيّةً عن الانهيار اللبناني.

الآن تسعى فرنسا إلى الإمساك بالقطاعات الحيويّة، من النفط والغاز إلى الكهرباء والاتصالات والمرفأ، وهي باتت تشعر أنّها في خضمّ معركة شرسة مع أطراف كثيرة، خصوصاً بعد الصفعة الهائلة التي تمثّلت بفسخ صفقة الغوّاصات مع أستراليا، بتحريض بريطاني وأميركي، وهذا ما سيدفع نحو توثيق الشراكة مع إيران وغيرها، وما سينعكس حتماً على الداخل اللبناني، إن لجهة المحافظة على الواقع السياسي القائم، أو لجهة المساعدة في إطلاق يد حزب الله وحمايته والحفاظ على مصالحهما المتبادلة.

تتمثّل خطورة هذا الدور في قدرته على دسّ السمّ في العسل، حيث يتراءى للناظر إليه، بحسن نيّته طبعاً، أنّه ينطوي على محبّة وحرص ورغبة في المساعدة، لكنّه في الحقيقة مدخل مخادع لإحكام السيطرة الكاملة، تحت سقف شراكة تسوويّة تقوم على إعطاء الفرنسيين اليد الطولى في المال والاقتصاد، مقابل يد مماثلة لإيران في السياسة والأمن، في استعادة مشابهة لأساسات الشراكة المجنونة مع حافظ الأسد عقب اتفاق الطائف.

ليس ما يقدِر اللبنانيّون على إنجازه الآن. وكما أنّ قراراً كبيراً قضى بتشكيل الحكومة، وقد شُكِّلت بالقوّة، فإنّ قراراً مشابهاً يقضي باستسلام الجميع لهذه الشراكة الهجينة، انطلاقاً من ممارسات الترغيب والترهيب التي ما عادت خافية على أحد، بعدما صارت محطّة يوميّة، إنْ عبر الضخّ الإعلامي المدروس والمموّل والممنهج، أو عبر الكيديّات السياسية والقضائية والأمنية. لذلك فالمطلوب الآن لا يعدو كونه محاولة متواضعة لإيقاظ الجميع من سباته، وتهيئته لمعركة وشيكة وهائلة تحت عنوان شديد المرارة والوضوح: ارفعوا الاحتلال الفرنسيّ والإيرانيّ عن لبنان.