حكومة ميقاتي أمام ثلاث مهمّات في سبعة أشهر!

سركيس نعوم – النهار

يعتقد #لبنانيّون كثيرون أنّ الحكومة الجديدة التي يترأّسها #نجيب ميقاتي ليست حكومته عمليّاً. فالغالبيّة فيها تُمثِّل الغالبيّة النيابيّة وإن بأسماء شخصيّات تكنوقراط كان لبعضها تجربة في القطاع الخاص خارج البلاد ولبعضها الآخر تجربة مماثلة داخلها، وللبعض الثالث تجربة في القطاع اللبناني العام على تنوّعه. لكنّه قَبِلَ أن يترأّسها لأنّه يريد أن يتولّى هذا الموقع وإن في مرحلة صعبة ولأنّه يريد أيضاً أن يُحقّق إنجازات مُعيّنة تمكّنه من النجاح حيث فشل آخرون ومن الاستمرار في موقعه الحكومي بعد الانتخابات النيابيّة المقبلة وربّما بعد الانتخابات الرئاسيّة التي ستجري بعدها بأشهر. لكنّ ذلك كلّه لا يدفع اللبنانيّين أنفسهم إلى استهجان المذكور أعلاه. فهم يعيشون ضيقاً لم يعشه أجداد أجدادهم إذا جاز التعبير على هذا النحو في الحرب العالميّة الأولى. علماً أنّهم مرّوا بمراحل صعبة جدّاً احتاجوا فيها إلى الكثير منذ ذلك التاريخ وتحديداً منذ استقلال دولتهم عام 1943. لكنّهم لم يعيشوا الذلّ والهوان والفقر واليأس الذي يعيشونه اليوم، ولا سيّما بعدما انهارت دولتهم وميثاقهم الوطني وتكرّس انقسامهم شعوباً للبعض منها جهات خارجيّة تسنده وتدعمه في حين يجد البعض الآخر نفسه يتيماً وعاجزاً عن إيجاد جهة خارجيّة يعتمد عليها للصمود. فضلاً عن أنّ ميقاتي يمتلك في هذه المرحلة علاقات خارجيّة مُهمّة توفِّر له الدعم في حال كرَّس وقته ووقت حكومته لتحقيق إنجازات (إصلاحات) من دونها لا فرصة لوقف انهيار البلاد وللعمل جديّاً على إنعاشها كي تستعيد شعوبها الأمل في الحياة. علماً أنّ ذلك يحتاج إلى وقت طويل. لا يعني ذلك طبعاً أنّ مفاتيح كلّ الدول القادرة على المساعدة موجودة في جيبه. إذ تنقصه مفاتيح دول أخرى مُهمّة بعضها شقيق ومن شأن ذلك تهديد مهمّته “الإنقاذيّة”.




هل يستطيع ميقاتي وحكومته صُنع المعجزات التي يحتاج إليها لبنان خلال ولايتهما التي تنتهي بعد الانتخابات النيابيّة المقبلة سواء أُجريت في موعدها الدستوري أي أيّار المقبل أو قُدِّمت الى آذار. وذلك محتمل لأنّ شهر رمضان المبارك لا بُدّ أن يُشغل المسلمين اللبنانيّين الأمر الذي يجعل العمليّة الانتخابيّة الصعبة أساساً أكثر صعوبة؟ طبعاً لن يستطيع ذلك، ولا أحد من اللبنانيّين ومن زعمائهم وقادتهم وأحزابهم يطلب لاستحالته. لكنّه يستطيع وحكومته الاهتمام بقضايا ثلاث وتالياً إراحة اللبنانيّين، ولكن من دون أن يجد حلولاً لها نهائيّة وثابتة.

الأولى هي الكهرباء وربّما المحروقات أيضاً لأنّها جزءٌ من مشكلة الكهرباء. ولا يعني هذا القول أنّ الكهرباء ستتوافر في عهد هذه الحكومة 24 على 24، وأن الهيئة الناظمة لها ستؤلّف بموافقة من عطّلوا تأليفها منذ سنوات أو غصباً عنهم، وأنّ معامل إنتاجها ستُجدَّد وشبكات توزيعها ستُحدَّث وجباية ثمنها من كل اللبنانيّين والمُقيمين في لبنان ستتمّ من دون أيِّ خوف من ميليشيا أو عصابة أو كارتيل أو أصحاب نفوذ أو طائفة أو مذهب. ولا يعني أيضاً أن شركة الكهرباء ووزارة الطاقة ستُحدَّث بحيث تسير مثل “الساعة السويسريّة” أو ستُخصخص أو ستُصبح شركة مختلطة بين القطاعين العام والخاص. فهذه أمور تحتاج إلى وقتٍ طويل وإلى تغيُّر في الذهنيّة اللبنانيّة وإلى دولة لن يستطيع ميقاتي وحكومته والغالبيّة النيابيّة التي ألّفتها أن تُعيد بنائها خلال أشهرٍ قليلة. إذاً المُرجَّح أن ينصبَّ العمل لتوفير طاقة كهربائيّة للبنانيّين 12 ساعة يوميّاً وفي الوقت نفسه للعمل في الداخل مع قادة شعوبه ومع الخارج من أجل توفير ما تحتاج إليه البلاد لإعادة بناء قطاع كهربائي ناجح ووطنيّ لا قطاعاً تابعاً لأحزاب وطوائف ومذاهب كما هي الحال اليوم بل منذ عقود.

القضيّة الثانية التي سيُوليها ميقاتي وحكومته عنايتهما هي صندوق النقد الدولي، إذ من دون التفاوض معه ومن دون التوصّل معه ولكن لاحقاً إلى تشخيص صحيح وسليم للوضع المالي والنقدي اللبناني الذي انهار لا يُمكن الاتفاق بين الصندوق والحكومة اللبنانيّة سواء كان ميقاتي رئيسها أو غيره إذ أنّ المطلوب منها فيه أمورٌ كثيرة أهمّها الإصلاحات. وهي ليست سهلة لا من حيث التفاهم عليها ولا من حيث تنفيذها. في نهاية هذه الآلية كلّها يمكن أن يُقرِّر صندوق النقد صرف نحو عشرة مليارات دولار أميركي للبنان ولكن ليس دفعة واحدة بل على سنوات قد تكون عشراً.

أما القضيّة الثالثة موضع الاهتمام الحكومي فهي الانتخابات النيابيّة. وهنا أيضاً لا يسمح الوقت وهو قصير إلا بتطبيق قانون الانتخاب الحالي من دون تحسينه بإزالة سيئاته وهي ليست قليلة. كما لا يسمح بتطبيق ما هو جيّد فيه من حيث المبدأ وليس من حيث النصّ والمضمون، وهو إشتراك الانتشار أو الاغتراب اللبناني في الانتخابات حيث هو. يعني ذلك السماح للمُغتربين فقط بانتخاب المُرشّحين في الدائرة الانتخابيّة لكلٍّ منهم ولكن في سفاراتهم وقنصليّاتهم. أما تصغير سنّ الاقتراع ليصبح 18 عاماً فسيبقى حلماً على الأرجح لأسباب طائفيّة رغم أنّه قد يُساهم في إضعاف الطائفيّة مع الوقت. علماً أن هذه الأسباب موجودة وستبقى في حال تمسُّك النوّاب بسنّ الـ21 للاقتراع. طبعاً يعتبر البعض أنّ نجاح ميقاتي وحكومته في تنفيذ البرنامج الثلاثي المذكور مهمّ لكنّه غير كاف.

إذ يفترض أن يهتمّا بأمور توازي غياب الكهرباء عن المواطنين أهميّة منها تأمين الدواء المفقود لأسباب قد تكون “قانونيّة”. علماً أنّ لهذا الفقدان أسباباً غير قانونيّة أيضاً ومناقضة للقانون إذا جاز التعبير على هذا النحو ولها علاقة مباشرة بالاحتكار وبالربح الحرام وبفشل الدولة كي لا نقول بشراكتها التواطئيّة مع المحتكرين والفاسدين في القطاعات الحيويّة كلّها. طبعاً هذا شرح يطول ومهمّة تحتاج إلى سنوات لا إلى أشهرٍ فقط. لكنّ المهمّ الآن هو البدء والمُتابعة بالداخل ومع صندوق النقد ومع الدول الداعمة وفي مقدّمها فرنسا وثلاثي الأردن ومصر وسوريا الذي قرَّر مساعدة لبنان بمدِّه بالغاز والفيول لمعامل الكهرباء فيه. فهل ستتصرَّف حكومة ميقاتي مع سوريا بالطريقة التي تتصرّف وستتصرّف بها مع الأردن ومصر أم ستكتفي بالتعاطي معها بالواسطة؟