سمير عطا الله

بدو الميناء وعرب الفضاء – سمير عطالله – النهار

الأسبوع الماضي كان أسبوع مقارنات طفولية ومحزنة. ال#لبنانيون، عقلاء وغيرهم، يتأملون الوداع العالمي لسيدة من سيدات الإنسان والتاريخ، ويقارنون ويبكون. أما كيف تجوز المقارنة بين لبنان والمانيا، فلأن الفقر يعمي البصر ويغشى البصيرة. وما زال اللبنانيون، غرقى الكارثة، يرفضون التذكّر بأنهم خرجوا من مؤشرات سائر الدول القابلة للحياة، برغم كل ما اصابهم وما حل بهم. بحث بعضنا عن انغيلا ميركل في جحيم الفساد وفجور الغطرسة، وبكل يأس وسذاجة، بحث البعض الآخر عن محمد بن راشد، وهم يشاهدون كيف تحوّلت دبي من ميناء لقوارب “البدو” الصغيرة إلى أهم معرض لصناعات الفضاء واعاجيب الطيران. يقارنون، ودبي في الفضاء ولبنان في الفناء. يقارنون برغم معرفتهم ان معرض اكسبو 2020 سوف يستضيف 21 مليون زائر، وأن مطارها هو الاكثر انشغالاً في العالم، وأن شركتها الوطنية سوف تتخطى حركات النقل في مطارات هيثرو، وإن مطار بيروت، معتم، مثلما كان مطار دبي قبل 50 عاماً على وجه الضبط. مدرج صغير وبضع غنمات ترعى إلى جانبه، وبرج المراقبة يعاني من الضجر والملل. ورمال في كل مكان، وإبل تقطع الطرق الترابية. وأقرب مستوصف في الشارقة المجاورة. ومكتب الحاكم، الشيخ راشد، في الميناء، خال من ضرورات المكاتب، والشيخ يجلس ضاحكاً باسماً، يحلم ويعمل، ولا صحف في المدينة ولا مطاعم إلاَّ للعمال القادمين من الهند. وعلى مكتب الشيخ هاتف قديم ولا يرن. فمن لديه الوقت لأن يسمع بهذه الإمارة التي ليس فيها نفط ولا ماء ولا مدرسة، ومخزنها الوحيد يملكه الهندي جاشنمال. لكن زمن الرمال والغبار لن يطول. وسوف تخرج دبي منه لكي تبني اعلى فندق في العالم، وأعلى برج في العالم، والمطار الأكثر حركة. وبعدها تتجه إلى إقامة فروع للأهم في باب العلم، هارفرد و “مايو كلينك”.

وسوف تشهد أعجب حركة نمو وعمران. ومحمد بن راشد الذي يقود بنفسه سيارته المرسيدس المربعة، يقود دراجته الآلية ويتفقد “اكسبو” واجنحة 182 دولة من جهات الأرض. هذا هو الرجل الذي روى لي أنه كان يأتي إلى بيروت ايام عزّها الجميل، ويشعر بالغبطة إن استقبله موظف مسؤول في مصرف. تسلم دبي من والده ميناءً صغيراً وجعل منها مطاراً لا مثيل له. وجعل من الميناء الصغير إحدى أكبر شركات الموانئ في العالم. والذين يقارنون منا، ينسون أنه كان لدينا مرفأ تاريخي نسفناه وحولنا ذكراه إلى مجزرة، وعلّقناه مع الموت على حبال الغسيل.




وسلَّمت انغيلا ميركل المانيا إلى المستشار التالي وهي في أعز مراحلها عبر التاريخ. لا فيلهلم الأول ولا الثاني ولا السبعين، ولا بسمارك ولا الفوهرر. تجاوزت الفراو ميركل كل مراحل “المانيا فوق الجميع”، ووضعتها مع الجميع، وجعلت من يوم تقاعدها يوماً وداعياً في كل العالم. بمسحة بسيطة من يدها، محت من ذاكرة الأرض ان المانيا هي بلد غوبلز وتفاهة الكذب.

أن تتقاعد السيدة المستشارة بعد عقدين من أنبل الحكم وارفع الخلق وأسمى التعفف، وان يتفقد محمد بن راشد أكثر معارض العالم تقدماً على دراجته دون حرس، مجرد مصادفة لا تمنحنا الحق في المقارنة. قبل الخلط بين النجاح الاسطوري والعقم المستطرد، يجب تذكّر سلسلة البديهيات في المقاييس والمعايير التي تلازم البشرية منذ ان رزق ابونا آدم، عليه السلام، ابنان، من رحم واحد: قاتل وضحية. اليهما يُنسب الشر والخير. العمار والدمار. الحب والكره.

لا أعرف سبباً واحداً دفعنا جميعاً إلى مهزلة المقارنة مع ارفع مثالين للنموذج الوطني في العالم المعاصر. امرأة تتفوق على الولايات المتحدة بين الدول الكبرى، ورجل يتجاوز “لي كوان يو” في صف المعجزات النامية. يقول صيان الغربان “ولكن محمد بن راشد يملك ثروة كبرى”. وقد يكون ذلك صحيحاً. لكن الجانب الآخر منه، أنه ليس في دبي مواطن غير ميسور يتمتع بكل ضمانات الكفاية والكرامة البشرية. وقد قال لي مرة أن كل مشروع مثل “برج العرب”، بعدما يسدد كلفته، يحوّل ملكيته فوراً إلى الخير العام من دون ان يبقي لنفسه سهماً واحد فيه. الرجل تسلم مساحة من رمال وغبار وعصف. هذا ما تسلم. واليوم تصل مطار دبي كأنك داخل قصور التكنولوجيا. ويجمع بين انغيلا ميركل ومحمد بن راشد، انعدام المواكب. وإذا ما تقدمت سيارتهما أكثر من سيارة واحدة، سوف يبدو المشهد مهيناً ومذلاً لصاحبه. مما وممن هذا الخوف؟ ألم يقل عمر لمن سأله: حكمت فعدلت فنمت؟ هل يحمي موكب من 40 سيارة صاحبه؟ لا يقلق إلا من كان له سبب لذلك. وما من أحد رسم صورة للقلق كما فعل شاعر النفس العربية الأبية ابو الطيب: على قلق كأن الريح تحتي / اوجهها جنوباً او شمالا.

في ايامنا الأولى في لندن (السبعينات) رأيت في مرآة السيارة خلفي، سيارة سوداء ضخمة وعلى مقدمة سطحها تاج. ودون ان اعرف مَن صاحبها، افسحت لها الطريق. وعندما صارت السيارة في محاذاتنا تطلعت إلى جانبي ولم أستطع ان استوعب فوراً ان سيدة المقعد الخلفي هي اليزابيت الثانية، ابنة جورج السادس. العاملة ملكة للمملكة المتحدة، المعروفة ايضاً ببريطانيا العظمى.

لن يكون اكسبو الحدث الأهم في الامارات هذا العام. ففي 2 كانون الأول يكون مرور 50 عاماً على قيام دولة الاتحاد برئاسة رجل الوحدة الماسي، زايد بن سلطان آل نهيان. رجل طيب من البادية اقام ثاني دولة اتحادية في بلاد العرب بعد عبد العزيز بن عبد الرحمن. وضع زايد الامارات واحدة جنب الأخرى، وتقاسم معها دخل ابو ظبي عند الحاجة، وطفق يبني في الرمال، ويزرع الخضرة في الأرض الجرداء، ولم ينس ان يزرع البحر المالح خضرة تقاوم سموم الملح. ولم يكتف بأن قدم للناس طمأنينة الضمان، بل قدم لكل شاب يتزوج، هداياه من النوق واحتفالات الاعراس. وقدم للعرب الوساطات في نزاعات جحيمهم. وعندما شعر ان صدام حسين سوف يُشنق ليلة الاضحى عرض عليه الإقامة في ابو ظبي بضمانته الشخصية. لكن مفهوم صدام للبطولة كان ان يموت هو ايضاً إلى جانب مليون عراقي توزعوا ما بين جبهات إيران والكويت وحيثما طالت مدافعه.

اقام زايد دولة قريبة من النموذج. ظل هو نموذج حاضن الكل. لا نزاعات في ظل زايد، كما كان ينادى. مثل ميركل كان لقبه اسمه. مثل مانديلا. مثل ديغول، الذي الغت فرنسا لقبه العسكري والمدني. مثل مانديلا الذي صار لقب الرئيس دونه رتبة ومرتبة. مثل غيفارا ونيرودا. اسماء لا يتسع لها لقب.

اذكر من دبي الاسواق الصغيرة ودكاكين القش. الفقراء القادمون من الهند ومعهم فقرهم. وما من رصيف أو ظل. لا شيء سوى الرطوبة والرمل والحرّ. لا شيء. كان هذا في الماضي شاطىء القراصنة. وكانت اماراته تسمى “الامارات المتصالحة” لكثرة شقائها وشقاوتها. جمع زايد بينها وسماها الامارات العربية المتحدة. وها هي بعد 50 عاماً معرض لاحلامه وبساطته وطيبته. واجهة البدو، زايد. ربما يمكن لمتحف “اللوفر” في ابوظبي، اقناع الديبلوماسية اللبنانية الجديدة، بأن ثمة تطوراً حدث في بلاد البدو: اللوفر في الرمال. والشارقة حاكمها سلطان القاسمي دكتور في التاريخ من بريطانيا، وليس في الدولة حفرة في طريق، أو جائع أو عاطل عن العمل. وهذه الدولة المرأة علم وإدارة ودور ومكانة. وفي جناح لبنان اكسبو 2020، كشك بأورمة وصرافة ومكسرات.