لا اهتمام لروسيا بلبنان باستثناء بحره مع سوريا

سركيس نعوم – النهار

يرفض ال#لبنانيون ولا سيما الذين منهم يحبّون المملكة العربية #السعودية و#الخليج عموماً أن يصدّقوا أنها فقدت اهتمامها بهم وبدولتهم منذ بداية عهد #الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده إبنه الأمير محمد بن سلمان. ولا يزالون يسعون الى إقناعها بالعودة عن هذه السلبية في التعاطي معهم، كما في التعاطي مع دولتهم ولا سيما في الظروف البالغة الصعوبة التي فيها يعيشون (فقر وذل وانهيار اقتصادي ونقدي ومالي…)، وكما بعد وقوع دولتهم ومؤسساتهم في الانقسام ثم في الشلل التام، وبعدما صارت في “دنب” لوائح التصنيفات العالمية وعلى كل صعيد في حين أنها كانت سويسرا الشرق في نظرهم. علماً أن في اعتبارهم إياها كذلك شيء من الوهم في حينه، ذلك أنهم أُخذوا بالمظاهر ولم يحسنوا بناء دولتهم ومؤسساتها كي تبقى فعلاً سويسرا الشرق، ربما بسبب إنقساماتهم واعتمادهم دائماً على الخارج شقيقاً أو صديقاً وخصوصاً إذا كان ثرياً و”بالكبيرة” كما يُقال. طبعاً أدرك هؤلاء اللبنانيون أنهم صاروا عاجزين لوحدهم عن إقناع السعودية بالصفح عنهم وبفك “ضيقتهم”، ولذلك استعانوا بـ”صديق” هو فرنسا لإقناع ولي عهدها ومليكها بمسامحتهم وبالعودة الى مدّهم دولةً وشعوباً وأحزاباً وأفراداً بالمال والمساعدات العينية. لكنهم لم يزوّدوا هذا الصديق بما يمكّنه من النجاح وهو اعترافهم جميعاً بأنهم أخطأوا مع مملكتها ووقفوا ضدها حين احتاجت إليهم، وخصوصاً بعدما تصدّر فريق منهم محاربتها في اليمن الى جانب الحوثيين ومهاجمتها في المحافل الإعلامية والسياسية والشعبية داخل لبنان وخارجه، كما بعدما تعذّر على محبّي المملكة وقف استهدافها هذا. طبعاً تعرف هذه الدولة العربية الكبرى أن العين بصيرة ولكن اليد قصيرة في لبنان، وكان يُفترض أن تتساهل مع شعبه أو شعوبه ولا سيما بعدما صارت معدمة فقيرة. لكنها واستناداً الى أصدقاء لها تؤمن بالقول الآتي لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين. فاللبنانيون أظهروا بغالبتيهم عجزاً عن “الوفاء” كما أظهروا وبغالبيتهم أيضاً أن “كل من أخذ أمي صار عمي”، وأن المهم عندهم هو المال ثم المال وإن كان على حساب دولتهم وكرامتهم أو على حساب أشقائها وأصدقائها. لهذا السبب يشعر البعض في لبنان بالأسى لتكرار رئيس فرنسا ماكرون “متعهد” إنقاذ لبنان أو بالأحرى مساعدته في ظروفه الصعبة وهذا أمرٌ مستحيل إذا لم تغيّر السعودية موقفها اللبناني وإن كانت الحجة التي استعملها ولا يزال أن فيه حكومة جديدة ورئيساً لها تثق فيه وهو معروف ببراغماتيته وقدرته على تدوير الزوايا. ذلك أنه أي ماكرون يعرف أو يُفترض أن يعرف أكثر تاريخ كل من يتعاطى معهم من زعماء لبنان ورؤساء الحكومة فيه ونوّابه وأحزابه السابقين والحاليين. وربما لن يكون اللاحقون لهم مختلفين عنهم لهذا يُفترض أن يتصرّف انطلاقاً من هذه المعرفة كي لا يتعثّر مرة جديدة بعدما تعثّر سنة وشهرين أي منذ انفجار مرفأ بيروت حتى الآن. ذلك أن الإلحاح على السعودية ربما يعطي نتائج عكسية ليس على لبنان فقط بل على العلاقة مع باريس رغم الحاجة إليها حالياً والى غيرها من الدول الكبرى بعد بدء انكشاف اتجاه أميركا الى التخلي عن الشرق الأوسط أو الى التصرّف معه وإن كحليفة له بطريقة جديدة أهم ركائزها اعتماد الحلفاء على أنفسهم أولاً ثم على الدول التي حمتهم عقوداً طويلة. أخيراً الموقف السعودي المتصلّب من لبنان هو نفسه موقف دول مجلس التعاون الخليجي. هذا أمرٌ أُبلغ الى المسؤولين القدماء والجدد في لبنان. يعني ذلك أن “الدعم” المطلوب والكبير وخصوصاً المالي منه سيبقى محجوباً رغم “الزيارات” الخليجية للقصر الحكومي والدعوات لزيارة عاصمة أو أكثر من دول الخليج.




هذا على الصعيد العربي، فماذا على الصعيد الدولي وتحديداً الروسي، باعتبار أن فرنسا تقوم بما تستطيع وأميركا بما قرّرته وهو محدود وكذلك عدد آخر من الدول الكبرى فضلاً عن الدول الشقيقة؟ تفيد المعلومات الواردة من موسكو على أكثر من صديق لها في لبنان أن الاهتمام المزعوم لروسيا بلبنان من جهات لبنانية إعلامية وسياسية عدّة في غير محلّه. فهي تكتفي بالإهتمام بالوضع السوري ولا سيما بسوريا المفيدة التي أنقذتها مع نظام الأسد ومستمرة فيه. ما يُشاع عن أن أميركا ستوكل الى روسيا دوراً لبنانياً أو ستبحث معها في ترتيب أوضاعه ليس دقيقاً أو بالأحرى ليس صحيحاً. ما يُشاع أيضاً عن دور لها في سياساته الداخلية وفي استحقاقاته المهمة وفي مقدمها الانتخابات النيابية والرئاسية ليس دقيقاً ولا صحيحاً. وما يُشاع ثالثاً عن اهتمامها بالنفط والغاز الموجود في قاع بحر الجنوب اللبناني (البحر الأبيض المتوسط والمياه الإقليمية اللبنانية فيه) ليس دقيقاً ولا صحيحاً. حتى القضايا التي لها علاقة بلبنان وتحديداً “حزب الله” وإسرائيل ودور إيران في لبنان فإن موسكو تتابعها لتلمّس انعكاساتها على سوريا ودورها فيها وليس لاهتمامها بها وتالياً لمحاولة إيجاد حلول لها. المنطقة الوحيدة التي تهم روسيا في لبنان هي الجزء من البحر الأبيض المتوسط بين لبنان وسوريا. ذلك أن فيه نفطاً وغازاً وأن مصلحة سوريا فيه تهمها، ولا بد أن يدفعها ذلك الى تشجيع حوار لبناني – سوري لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين وتالياً لإقتسام الثروة النفطية والغازية فيه. لا شك في أن نجاحها سيدفع البلدين بعد الترسيم الى تكليف روسيا تولّي التنقيب والاستخراج والبيع ولاحقاً توزيع العائدات المالية بين الدولتين بعد اتفاقهما عليها. طبعاً لا يرمي ذلك الى دعوة لبنان الى الانقطاع عن روسيا دولةً وزعامات وأحزاب وطوائف وشعوب. فذلك صعب إذ أن اللبنانيين ولا سيما محبّي الأدوار الكبيرة منهم يستمتعون بزيارة موسكو بين وقت وآخر ليس لحل أزمة أو مشكلة بل لتعزيز وضعهم اللبناني كلٌ مع جماعته. في اختصار أبلغ المسؤولون الروس ذلك الى زوّارهم اللبنانيين. وقد لمسه أو شعر به أبرزهم النائب عن “حزب الله” محمد رعد يوم زار موسكو تلبية لدعوة رسمية قبل أشهر. ولمسه أيضاً النائب السابق عضو “التيار الوطني الحر” أمل أبو زيد. ولمسه أخيراً نائب زغرتا طوني سليمان فرنجية. والسؤال “الحشري” الذي يثيره ذلك هو: هل وصلت أصداء الموقف الروسي للزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط فأحجم عن زيارة موسكو قبل أسابيع أو ربما أشهر، أو استنتجه بعدما أرجأت موسكو زيارته لها قبل أيام من القيام بها.