“تشويه” الديمقراطية لتحصين الطغيان.. جورج قرداحي نموذجاً

فارس خشان – الحرة

منذ تبوّئه منصب وزير الإعلام في الحكومة اللبنانية الجديدة، يصر جورج قرداحي على استغلال “معلوماته” عن “حدود” الحرية الإعلامية في فرنسا، في محاولة تهدف الى “تدجين” الصحافيين والإعلاميين اللبنانيين ممّن يعارضون التركيبة السياسية في لبنان، ويرفعون الصوت في وجهها.




وآخر ما نطق به قرداحي الذي كان قد عُرِف بدفاعه عن “مجرمي حرب” مثل بشّار الأسد وعن “منشئي دويلات” مثل حسن نصرالله، قوله، في إطار تنديده بالتهجمات التي تطال الطبقة السياسية في لبنان:” في فرنسا التي هي أمّ الحريات، مثلاً، لا يمكن الإعتداء على كرامة السياسيّين”.

قبل مقارنة الواقعين السياسي والإعلامي في فرنسا بالواقعين السياسي والإعلامي في لبنان، هل النموذج الذي قدّمه وزير الإعلام اللبناني صحيح؟
لا!
في العام 2013، إختفى من القانون الجزائي الفرنسي النص الذي كان يفرض غرامة مالية على كل شخص يهين رئيس الجمهورية، وهو أعلى سلطة في البلاد.
وقبل إلغاء هذه المادة، جرى تعليق العمل بها على مدى ثلاثة عهود رئاسية بدءاً بفاليري جيسكار ديستان، مروراً بفرانسوا ميتران، وصولاً الى جاك شيراك.
ولكن، في صيف العام 2008، جرى خرق لقاعدة “التعليق”، بحيث تحرّكت النيابة العامة ضد مواطن فرنسي رفع لافتة ضد الرئيس في حينه، نيكولا ساركوزي، كتب عليها:” إرحل أيّها الغبي”.
وبعدما أصدرت المحكمة الفرنسية المختصة حكماً قضى بتكبيد “المهين” غرامة مالية، جرى رفع المسألة الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي أدانت الدولة الفرنسية على الحكم الذي أصدره قضاؤها، ووصفته بأنّه يتعارض والإتفاقية الأوروبية لحماية حرية التعبير.

وفي ضوء هذا الحكم، ألغى البرلمان الفرنسي المادة التي تتيح تجريم كل من يهين رئيس الجمهورية.
وعليه، ففي فرنسا تدرّج إنهاء المسؤولية الجزائية عن إهانة السياسيين يتقدّمهم رئيس الجمهورية، وفق الآتي:
–    في ظل حكومة فيتشي التي أنشأها الاحتلال النازي لفرنسا، جرى تفعيل مبدأ حماية السياسيين من الإهانة، بحيث كان يتم سجن “المهين” لمدة سنتين.
–    بعد التحرير، جرى تعديل هذه المادة، بحيث أصبحت تقتصر على الغرامة المالية، وسرعان ما تمّ تعليق العمل بها.
–    ومنذ العام 2013، لم تعد إهانة رئيس الجمهورية تشكّل جرماً.

إلّا أنّ هذا لا يعني مطلقاً أنّ أيّ شخص يمكن أن يتعرّض للقدح والذم، سواء أكان مواطناً عادياً أم سياسيّاً، لا يحق له أن يطلب تعويضاً من المحاكم المختصة، ولكن ذلك لا يكون على قاعدة “حماية السياسيين” بل حماية الإنسان من التعرّض لشخصه، بغض النظر عن وظيفته وموقعه.

وهذه الحماية القانونية لا تشمل من “تصح إهانته”، سواء كان في القطاع الخاص أو العام، ذلك أنّ “الإهانة” تسقط بمجرّد أن يثبت “المُهين” صحة أقواله، فإذا اتّهم وزيراً، مثلاً، بالكذب، يمكنه أن يقدّم المستندات التي دفعته الى توجيه هذا  الإتهام، مثل التناقض في تصريحاته، وعدم صحة الوقائع التي يزعمها، وإذا اتّهمه بالإخلال بواجباته الوظيفية، وجرى تقديم الأدلة على ذلك، تتحرّك النيابة العامة المختصة وتفتح تحقيقات ضد الوزير وتدّعي عليه، كما هو حاصل، حالياً، بالنسبة لوزيرة الصحة السابقة آنياس بوزين التي ادّعت عليها النيابة العامة لدى “محكمة عدل الجمهورية”، بسبب شبهات حول تقصيرها في مواجهة شيوع جائحة كورونا في فرنسا.

ولم يفلح صراخ الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، لا ضد الإعلام ولا ضد القضاة ولا ضد “المتآمرين” في حمايته من صدور حكمين ضده حتى الآن، في تهم بدأها الإعلام ضده، سواء بملف التنصت الخاص أو بملف تجاوز سقف الإنفاق القانوني لحملة “تجديد” رئاسته. الحكم الأوّل هو قيد الإستئناف. الحكم الثاني الذي قضى بوضعه في السجن سنة، وصدر أمس، هو قيد التنفيذ.

ومن دون حاجة الى هذا البحث القانوني، يكفي لمتابع بسيط أن يكتشف أنّ الإعلام الفرنسي، ببرامجه الجادة كما الترفيهية والساخرة، ناهيك عن ضيوفه، لا يوفّر سياسياً ممّا يسمّى إهانة، فيما يأخذ المتظاهرون حريتهم في مهاجمة رئيس الجمهورية والحكومة، وكان على وزير الإعلام اللبناني، لو شاء تحديث معلوماته عن الدولة التي يستعين بها ضد إعلاميي بلاده وشعبه، أن يطلب تسجيلاً للتظاهرات التي تشهدها المدن الفرنسية، كل يوم سبت، ضد “شهادة التلقيح” ليعرف كيف يهين المتظاهرون رئيس الجمهورية ويشتمونه، أو أن يعود الى ما قبل جائحة كوفيد-19 ويطّلع على ما كان يحمله متظاهرو “السترات الصفراء” من شعارات ومطالب ضد ماكرون والطبقة السياسية الحاكمة.

ومع ذلك، لو سلّمنا جدلاً بصحة ما يزعمه قرداحي، فإنّ الواقعين السياسي والإعلامي الفرنسيين لا تمكن، بأيّ شكل من الأشكال، مقارنتهما مع الواقعين السياسي والإعلامي اللبنانيين، على قاعدة ما يعلّمونه الأطفالَ: لا يجوز جمع البطاطا والتفاح معاً، فحبتا بطاطا وحبتا تفّاح ليست أربع حبّات، بل هي حبتا بطاطا وحبّتا تفاح.

ففي فرنسا، هناك مساءلة ديمقراطية حقيقية للسياسيين، سواء في صناديق الإقتراع الحرّة أو بالمحاسبة البرلمانية النشطة أو بالملاحقة القضائية الفعّالة، في حين أنّه في لبنان، كل هذه الأنواع من المساءلة ممنوعة منعاً باتاً، وليس أدلّ على ذلك، سوى طريقة التعاطي الميليشياوي والسياسي مع كل محقق عدلي يتسلّم ملف انفجار مرفأ بيروت، ويحاول أن يمس شعرة في رأس سياسي، ولو من الدرجة الدنيا.

وفي فرنسا، أيضاً، الفضائح التي يكشفها الإعلام ليست إهانة ولا وجهة نظر “مغرضة”، بل هي وثائق صالحة لينطلق منها القضاء في كشف حقائق ما يمكن أن تكون قد ارتكبته الطبقة السياسية من موبقات، في حين أنّ ذلك ليس على جدول الأعمال في لبنان.

على أيّ حال، إنّ جورج قرداحي، بما يملكه من خلفية “انحنائية” أهّلته ليكون وزيراً للإعلام في لبنان، ليس سوى عنصر دعائي جديد وظيفته أن يستعين بأمثلة-ولو محرّفة جداً-من أعرق الديمقراطيات، بهدف مساعدة من عيّنوه في تعزيز الطغيان الذي يعمل الشعب اللبناني، بكل ما بقي له من حيل، لمنع إرسائه.
وجورج قرداحي، في ذلك، ليس أوّل نموذج في رحاب الديكتاتوريات ولن يكون الأخير.