الدعم الخليجي فرصة مؤجلة لإنقاذ لبنان من أزماته

افتتح رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي عهده الحكومي عبر بوابتي باريس ولندن، محاولا بحث الدعم اللازم لتجاوز أزمة البلاد، رغم إدراكه أن هذه الدول لا تملك حلا للبنان دون إصلاحات خانقة. في المقابل تبدو زياراته إلى دول الخليج -وفي مقدمتها السعودية- القادرة على مساعدة بلاده وإنقاذها من الانهيار مؤجلة إلى غاية الآن.

ومنذ سنوات تشهد العلاقة بين لبنان ودول الخليج حالة من الفتور والتوتر الصامت بسبب انحياز أغلب النخب في لبنان إلى حزب الله ومن ورائه إيران دون مراعاة لمصالح البلاد الخارجية وعلاقاتها مع الخليجيين وفي مقدمتهم السعودية.




وبتأجيله التواصل مع دول الخليج ومحاولة إقناعها باستقلالية الحكومة قدر المستطاع عن ذراع إيران في المنطقة، حزب الله، يفوّت ميقاتي على بلاده فرصة تجاوزِ أزماتها.

والأسبوع الماضي زار ميقاتي فرنسا حيث التقى الرئيس إيمانويل ماكرون ثم سافر إلى بريطانيا أين التقى العديد من المسؤولين. وفي كلا البلدين سمع رئيس الوزراء اللبناني كلاما موحّدا مفاده “لا شيكات على بياض، ولا مساعدات ماليّة دون إجراء إصلاحات”.

ويرى المحلّل السّياسي محمد نمر أن حكومة ميقاتي أتت نتيجة تواصل بين فرنسا وإيران، مبينا أن “فرنسا ليس لديها الدّعم الكافي لتنقذ لبنان، والذي لا يمكن إنقاذه إلّا عبر ممرّ الخليج، وتحديدًا السعودية الّتي كانت لديها تاريخيًّا القدرات الأكبر في انتشال البلاد من أزماتها”.

فبالنظر إلى تاريخ البلد شهد لبنان بعد حرب يوليو 2006 هبّة خليجية لمساعدته؛ حيث ساهم الخليجيون بمليارات الدولارات من أجل إعادة الإعمار واستثمروا في مشاريع بنى تحتية وإنمائية مختلفة، فضلا عن الودائع في مصرف لبنان المركزي، ناهيك عن مئات الآلاف من اللبنانيين الذين مازالوا حتى اللحظة يعملون في دول الخليج والسعودية.

وتشكّلت الحكومة اللبنانيّة برئاسة ميقاتي عقب 13 شهرًا من التعثّر إثر استقالة حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب، في العاشر من أغسطس العام الماضي، بعد 6 أيّام من انفجار كارثي في مرفأ بيروت.

ويأمل اللبنانيون أن تضع الحكومة الجديدة حدًّا للأزمة الاقتصاديّة الحادّة الّتي تضرب البلاد منذ أواخر 2019، وأدّت إلى انهيار مالي وارتفاع قياسي في معدّلات الفقر، فضلًا عن شحّ المحروقات والأدوية وسلع أساسية أخرى.

ومنذ تكليفه لم يُدْل نجيب ميقاتي بخطاب إلا وذكر فيه الدول العربية بهدف الحصول على دعمها وتأييدها لحكومته.

وعقب الزيارة التي أجراها ميقاتي إلى فرنسا تنامت الأحاديث التي تتوقع أنه سيقوم بزيارة إلى الخليج. وحتّى اليوم لم يُصدر المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة أيّ تعليق على هذه الأحاديث ولم يحدد أيّ موعد لزيارة خارجية جديدة، لكن ميقاتي قال مؤخرا إنه “حتى الآن لا زيارة محددة إلى السعودية وسوريا”.

ويلفت المحلل جوني منيّر إلى أن “ميقاتي بانتظار أن تحسم السعودية موقفها تجاه الحكومة سلبا أو إيجابا، لكي يتّخذ الخطوة اللاحقة”.

في المقابل رجح المحلّل أن يزور ميقاتي الكويت وقطر ومصر في الفترة القادمة، معتبرا أن “هذه الزيارات ستعني تأييدا سياسيا، أما التأييد المالي فسيتأخر بانتظار الاتفاق مع صندوق النّقد الدولي”.

وتقول أوساط سياسية لبنانية إنه “بالنظر إلى تاريخ العلاقات بين السعودية ولبنان، فإن الرياض هي الأكثر قدرة من بين دول الخليج على دعم لبنان ومساعدته في الخروج من أزماته”، لكن هذه الأوساط تشير إلى أن السعودية قد لا تجازف بدعم حكومة يتحكم فيها حزب الله.

وجهة النظر هذه أكدها وزير الاستثمار السعودي خالد بن عبدالعزيز الفالح، الذي قال خلال زيارته إلى فرنسا، في الثالث والعشرين من سبتمبر الماضي، إن “السعوديّة ترى أنّ هذه الحكومة اللبنانية لا تملك قرارها السياسي الدّاخلي، لكن هذا لا يعني أنها لا تراقب تصرفات السلطة التنفيذية وتحركاتها، لرصد ما إذا كانت ستستطيع أن تثبت أنها تملك قرارها السياسي”.

ولفت إلى أنه “منذ انطلاقة الحكومة حصل أكثر من استحقاق، كدخول الصهاريج الإيرانية المحملة بمادة المازوت إلى لبنان، وصمت الولايات المتحدة عن هذا الموضوع”.

ورغم مرور نحو ثلاثة أسابيع على تشكيل حكومة ميقاتي لم يصدر أي بيان سعودي أو تعليق حولها، حيث أنّ موقف المملكة من لبنان لا يتوقف على القيام بإصلاحات فقط، إنما هناك تأثير سلبي لحزب الله على علاقات البلدين التاريخية.

ويُبين نمر أن “السعودية كانت واضحة بمواقفها حول أي حكومة في لبنان، وتكلّمت عن ثلاثة أمور أساسية؛ قيام الدولة بإصلاحات، وجود طبقة سياسية فاسدة، واعتبارها أن حزب الله يشكّل خطرا عليها من الناحية الأمنية عبر (جماعة) الحوثيين” في اليمن.

ويشير إلى أن “هناك متطلبات عديدة ليكون لبنان دولة حقيقية، ولديه قراره وحكومته، وفي حال توفرت هذه المتطلبات فستكون السعودية أول من يساعده”.

ويشدد منيّر على أنه “لا يمكن التعويل على أي دعم خارجي، أو حتى خليجي، قبل تنفيذ الإصلاحات”.

وفي العاشر من أغسطس الماضي أوضح مجلس الوزراء السعودي أن أي مساعدة تُقدَّم إلى الحكومة الحالية أو المستقبلية في لبنان تعتمد على قيامها بإصلاحات جادّة وملموسة، مع ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وتجنب الآليات التي تُمكن الفاسدين من السيطرة على مصير البلاد.

وعموما، تظلّ المساعدات الماليّة الغربيّة للبنان مرتبطة بقيامه بإصلاحات، أما المساعدات الخليجية -وتحديدًا المساعدات السعوديّة- فيُضاف إليها وضع حدّ لسلطة حزب الله في البلاد.