مروان اسكندر - النهار

ضرورة الإنقاذ أولوية وطنية – مروان اسكندر – النهار

ليس هنالك من #لبناني متعلق ببلده لا يريد لحكومة الرئيس #نجيب ميقاتي النجاح، وكذلك جميع اللبنانيين من محبّذي “الممانعة” او المتعلقين بصورة لبنان كما كان قبل التقاتل مع فلسطينيي ياسر عرفات واتفاق القاهرة في ايلول 1969 الذي ألغي استقلالية لبنان واوقف مفاعيل اتفاق الهدنة مع اسرائيل.

لبنان كميل شمعون وفؤاد شهاب، وبعدهما، على رغم الهيمنة السورية بدءًا من 1976، لبنان الياس سركيس كان ينبض بالامل في النهوض والازدهار الذي انبعث من جديد مع ترؤس رفيق الحريري حكومات حققت الكثير ربما بتكاليف مرتفعة، لكن فترة قيادة الحريري انجزت تأهيل اكثر من 700 مدرسة ثانوية وبناء الجامعة اللبنانية، ومستشفى بيروت الحكومي – الذي استقبل اكبر عدد من المصابين بوباء كورونا – واسهم رفيق الحريري وبعض اصدقائه المقربين في تأمين العلم لـ 35 ألف لبناني ولبنانية دونما تمييز على اسس طائفية، وكان للوزير السابق فضل شلق دور كبير في تحقيق هذه النتيجة.




اليوم إذا شئنا مراجعة المعطيات الرئيسية لحياة بلد مستقل وحديث لن نعثر على مؤشرات للحداثة والديموقراطية والنظرة المستقبلية، ولهذا السبب يعلّق اللبنانيون (المتمسكون بما بقي لديهم من موارد وآمال) على حكومة نجيب ميقاتي آملين ان تحقق نجاحات ملحوظة تسهم في ترميم الثقة وتأهيل لبنان لاستعادة نسبة ملحوظة ممن تركوا البلد خلال السنتين المنصرمتين.

أهم التحديات تأمين الحصول على مساعدات لإطلاق النمو في قطاعات مختلفة، وقد خسرنا الكثير الكثير من الشركات والفنيين والمثقفين، سواء إلى البلدان العربية التي فتحت ابوابها للبنانيين، او البلدان الأبعد مثل فرنسا، المانيا، كندا، وأوستراليا، وعدد ضئيل اختاروا الابتعاد قدر الامكان فقصدوا نيوزيلندا بسبب قيادتها البعيدة عن التعصب وربما بسبب ان عدد الخراف فيها يفوق عدد السكان.

اللبنانيون الذين هاجروا في السنتين المنصرمتين هم أكبر خسارة يواجهها لبنان، وما لم تستقر الاوضاع وتُستعد المشاركة الحقيقية في القرار السياسي، والالتزام بالقوانين مع تحديث اعمال المحاكم للتيقن من انتهاء قضايا الدعاوى من دون انقضاء سنوات، لن تؤدي إلى استعادة اللبنانيين المهاجرين من اصحاب الكفاءات. فالمناخ الحضاري غاب عن لبنان وقيادته في الوقت الحاضر…وبالتالي مطلوب من حكومة ميقاتي انجاز الخطوات الآتية على الاقل لاستعادة الامل في النمو والعيش تحت مظلة القانون والقضاء المنزَّهَين عن الولاء لهذا الطرف او ذاك.

استقطاب اهتمام الدول المتطورة والدول العربية يستوجب اولاً وقبل كل شيء تجاوز مطبات الغاء مستحقات اليوروبوندز، وهذه العملية تتطلب إيجاد فريق مارس مهمة تمديد القروض الدولية وتحسين شروطها بإطالة فترات استحقاقها مع خفض فوائدها، وهذا الامر متاح لحكومة ميقاتي.

نجاح مساعي معالجة قضية اليوروبوندز يؤدي تلقائيًا إلى اختصار مرحلة توافر القروض من صندوق النقد الدولي والصندوق الاوروبي والبنك الاوروبي للانماء ومؤسسات عربية وفرت مليارات الدولارات لمساعدة دول تعاني مصاعب في افريقيا وبعض مناطق الشرق الاوسط.

افساح المجال للإقراض الدولي، مقابل شروط معقولة، هو اليوم الشغل الشاغل للبلدان النامية، فدول السوق الاوروبية المشتركة، وبريطانيا، والولايات المتحدة، والصين، والهند وكوريا الجنوبية تنوء جميعها بثقل الديون التي تراكمت مع توسع عمليات التسييل الكمّي والاستثمارات، والذي بلغ حاليًا مستوى 30 تريليون دولار، والتريليون هو ألف مليار.

كبار مسؤولي البنوك المركزية في العالم اجتمعوا في الولايات المتحدة قبل نهاية ايلول، وأقروا ضرورة ضبط التسييل الكمّي الذي هو اصدار العملات المعنية من دون حدود، وتحميل ثقل الاصدارات للبنوك المركزية. ومَن يتولّون ما يسمى التدقيق الجنائي لحسابات مصرف لبنان، يفترض ان يمارسوا الدور ايضًا في حسابات مختلف الوزارات والدوائر بدءًا من وزارة الطاقة التي ليس لديها حسابات منذ عام 2013 والتي أصبح يرأسها محاسب انتمى إلى شركة محاسبة دولية سابقا.

أسرع ما تحتاج حكومة ميقاتي إلى إقراره، بالتعاون مع الهيئات الدولية، انشاء مؤسسة لاستيراد المشتقات النفطية برأس مال ملياري دولار تكفي مع دورة الاستيراد والبيع لتغطية حاجات لبنان من المشتقات، ويمكن اشراك بعض الشركات في توفير ضمانات مصرفية لتسليمها المشتقات ونحصر استيرادنا بحاجات لبنان من دون الاستمرار في التهريب إلى سوريا طمعًا بتحقيق ارباح، ووضع سوريا يسمح لقيادتها باستيراد المشتقات من دون صعوبة وتأمين التمويل الذاتي بدل الاعتماد على احتياط مصرف لبنان كما حدث وكما ادى إلى ازمة البنزين والمازوت، ويرجح ان نشهد ازمة للمنتجين في القريب العاجل ان لم نبادر إلى تأسيس شركة مستقلة للاستيراد تشارك في ملكيتها وادارتها المؤسسات الدولية المقرضة للبنان.

اذا حققنا الخطوة المشار اليها خلال ثلاثة اشهر يزول الضغط على ميزان المدفوعات، ويصبح بالإمكان معالجة الوضع المصرفي، شرط ان نكرس القانون والتخطيط الصحيح لهذه المشكلة.

من المعلوم والمؤكد ان لبنان لن يستعيد النمو نفسه والحريات الاقتصادية ما لم يعد تنظيم شروط عمل المصارف التي خالفت القوانين في تحديدها للسحوبات لاصحاب الودائع، وفي مبادرتها إلى إعلان ثلاث اضرابات خلال سنتين والتوقف عن العمل.

هنالك اسباب عدة تدعو إلى العمل على استعادة المصارف دورها، وخسائر السنتين المنصرمتين تساهمان لسوء الحظ في امكان انقاذ القطاع المصرفي. ومن اهم الملاحظات في هذا الصدد الابتعاد عن توصية وزير الاقتصاد السابق بإلغاء المصارف القائمة والسماح بإنشاء 5 او 6 مصارف فقط. ويجب إدراك اهمية انخفاض ودائع البنوك خلال 3 سنوات بنسبة 50%.

الدعوة لإنشاء 5 او 6 مصارف فقط ملغومة ومضرة، والبرهان على ذلك هو وضع المصارف الكبرى في لبنان. ومعلوم ان 5 او 6 مصارف تحوز 80% من الودائع، والمصارف الثلاثة الكبرى تعاني مع فروعها المتبقية في الخارج مصاعب في الايفاء وتأمين الخدمات لا تعاني منها مصارف صغيرة، وتكفي الاشارة إلى ان المصرف الاكبر في لبنان إذا لم يتم التوصل إلى معالجته لن يتمكن القطاع المصرفي من استعادة نسبة ملحوظة من دوره السابق، وفي المقابل ميزانية بنك معروف وانما غير كبير كبنك سوريا ولبنان هي أفضل ميزانية لمصرف في لبنان.

الاصلاح المصرفي لن يتحقق بخطوات اجبارية تعسفية ولن يصمد ما لم تطبق القوانين، فحقوق المودعين تُركت في ايدي اصحاب المصارف، وهؤلاء استعانوا بامتناع المحاكم عن الحكم لمصلحة المودعين، واصبحت مدفوعات المصارف من حسابات الزبائن، والتي لا تمثل احيانًا 1% من مجموع ودائع بعض الزبائن، تخضع لرسوم اصدار شيكات او حتى دفع شيكات متوافرة حساباتها لدى المصارف.

المصرفيون تصرفوا كأنهم اصحاب حق وحقوق وهم ابعد ما يمكن ان يكونوا عن الحق والحقوق، والمودعون أصبحوا مسؤولين عن استمرار موظفي المصارف في عملهم مع تقاضيهم بعض تعويضاتهم بالدولار.

اصلاح القطاع المصرفي اساسي لاستعادة النشاط الاقتصادي، وتوصيات بعض الاقتصاديين الجيدين انما غير الملمّين بتفاصيل ملكيات الشركات العامة تؤدي إلى ارتكاب اخطاء. فعلى سبيل المثال أحد الاقتصاديين اوصى ببيع شركة طيران الشرق الاوسط، وبيع ممتلكات الاراضي لشركة انترا للاستثمار، وهو لا يعلم ان ملكية الدولة هي لأقلية أسهم شركة انترا والرصيد لمودعين سابقين ومساهمين حاليين، وتخصيص شركة طيران الشرق الاوسط لن يؤدي إلى نتيجة ايجابية لأن أسعار أسهم شركات الطيران اصبحت مثل أسهم البنوك في لبنان شبه معدومة، والمعلّق من كندا يجب ان يعرف ان مساعدة حكومة كندا لشركة الطيران الكندية تجاوزت عشرات مليارات الدولارات والشركة تخسر حاليًا.