“البيطار لا يحاكم كبار المسؤولين”.. تفاصيل مبادرة البطريرك الراعي لحل الأزمة بين حزب الله وجعجع

كشفت مصادر خاصة لـ”عربي بوست” تفاصيل مبادرة البطريرك الراعي لحل الأزمة السياسية المتصاعدة في لبنان بين حزب الله وحزب القوات اللبنانية منذ أحداث الطيونة يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

ولا يزال لبنان يعيش على وقع الأحداث التي شهدتها منطقة الطيونة في بيروت بين مناصري الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) من جهة وبين مناصري حزب القوات اللبنانية من جهة ثانية، مما تسبَّب في مقتل 7 أشخاص وجرح العشرات.




الصراع المذهبي الذي بلغ مداه بين القوى السياسية مؤخراً جعل البطريرك الماروني في لبنان مار بشارة بطرس الراعي، يطلق مبادرة سياسية بالتنسيق مع الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونجيب ميقاتي ونبيه بري لحل الأزمة العالقة، وفق مسارات متصلة بإعادة تفعيل الحكومة وحل تداعيات أزمة بيروت وإيجاد صيغة مُرضية للأطراف بملف التحقيق بالمرفأ.

منطلقات المبادرة

وفق مصادر حكومية لـ”عربي بوست”، فإن بنود المبادرة التي يحملها الراعي إلى المسؤولين تنطلق من التالي:

أولاً: محاكمة الرؤساء والوزراء في قضية المرفأ عبر مجلس النواب، من خلال تفعيل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ليأخذ دوره في محاكمة مَن طلبهم المحقق العدلي وادعى عليهم من رؤساء ووزراء ونواب في البرلمان في جريمة تفجير مرفأ بيروت، ويصبح ملف هؤلاء كاملاً بعهدة مجلس النواب.

ثانياً: ألا يتدخل المحقق العدلي طارق البيطار في ما يقوم به المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، والمؤسسات الدستورية، ويستمر بتحقيقاته بكل الأمور الأخرى وصولاً إلى إصدار القرار الظني في حادثة انفجار مرفأ بيروت.

ثالثاً: بالنسبة لملف أحداث الطيونة، تقول المبادرة بضرورة إبعاد الجيش والمحكمة العسكرية والقوى الأمنية عن الصراع السياسي المحتدم والمتصاعد، لا سيما بعد “أحداث الطيونة”.

هذا يعني أن أي إجراء قضائي يجب أن يبقى في حدود المتورطين المباشرين في ساحة المواجهة دون أن يطال القيادات التي يتبع لها هؤلاء، أي قيادات حزب الله وحركة أمل والقوات اللبنانية، مع ترك المؤسسة العسكرية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الأخرى تقوم بما تراه مناسباً لمنع تكرار ما حصل بكل السبل المتاحة، ما يعني سحب مذكرة استدعاء رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للتحقيق لدى مخابرات الجيش.

حل وسط مناسب

وبحسب المصادر، فإن رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري اقتنعا بهذا الطرح من قِبَل البطريرك الراعي، وأبديا رغبتهما بحل الأزمة عبر هذا المسار الذي لا يمس بالقضاء ولا يسمح للبيطار بتجاوز القانون عبر استدعاء الوزراء والنواب والرؤساء.

ويؤكد المصدر أن المبادرة التي أطلقها الراعي جرى تنسيقها مع حزب القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع لطيّ ملف الطيونة دون الذهاب لتصعيد أكبر في الشارع، فيما تعد موافقة نبيه بري أيضاً موافقة ضمنية من قِبَل حزب الله الذي يفوض بري كالعادة في معالجة مثل هذه الإشكالات وإيجاد الحلول للأمور المستعصية.

البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي/ الأناضول

تحركات لوقف الانفجار السياسي

جاءت أحداث الطيونة لتعزز الأزمة السياسية القائمة في لبنان على خلفية اشتراط حزب الله وحلفائه في الحكومة تفعيل عمل الحكومة مقابل عزل القاضي طارق البيطار المسؤول عن التحقيقات في حادثة انفجار مرفأ بيروت.

عملية الشد والجذب بين الأطراف المتصارعة بلغت مداها السياسي والقضائي باستدعاء القضاء العسكري (الذي يهيمن عليه حزب الله) لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في قضية أحداث الطيونة، لتصبح المعادلة الجديدة التي يريد حزب الله فرضها هي طي صفحة أحداث بيروت الأخيرة مقابل عزل القاضي البيطار من مهامه، بسبب توجس حزب الله منه.

يوضح المحلل السياسي منير الربيع لـ”عربي بوست” أن تحركات البطريرك الماروني بشارة الراعي باتجاه الرؤساء جاء بحثاً عن حلّ لمنع التفلت وإبعاد شبح الانفجار السياسي والأمني.

وأضاف أن الراعي يرفض مبدأ المقايضة في الملفات، ويعمل على لملمة ملف جعجع وعدم مفاقمته، مع ما سيؤدي ذلك إلى مشاكل كبيرة على الأرض وتوترات، وانعكاسات مسيحية قد تخدم جعجع مرحلياً، لكنها تؤدي إلى إحياء انقسام خطير جداً.

ووفقاً للربيع، فإن الراعي يسعى لإيجاد صيغة تسوية يستمر فيها البيطار بعمله كمحقق عدلي، ولكن يُترك ملف الرؤساء والوزراء والنواب إلى المجلس الأعلى الخاص في محاكمتهم، وفي كلتا الحالتين وصل لبنان إلى مشارف السقوط النهائي، إما في دوامة سياسية ستؤدي لاحقاً إلى تغيير الكثير من مرتكزاته، وإما في مشهد سيؤدي إلى انهيار كلي وكامل في مختلف القطاعات والمؤسسات.

ماذا يقول حزب الله؟

تقول أوساط حزب الله لـ”عربي بوست” إن فريق الثنائي الشيعي وتيار المردة وجمهور المقاومة يستشعر بأنّه مُستهدف من أداء القاضي طارق البيطار، ويرى المصدر أن القوى المعترضة عليه ليست على خلاف شخصي معه بل نريد منه تطبيق الدستور والقانون، وأن يُطبّق على جميع الأفراد المرتبطين بالملف.

وترى المصادر أنه وكما ينص قانون أصول المحاكمات المدنية على تحويل القضاة المدّعى عليهم إلى مجلس القضاء الأعلى ومجلس محاكمة القضاء، فإنّ الدستور يقول بوضوح إنّ الوزير أو النائب إذا أخطأ أثناء ممارسته لعمله يُحاكم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وهذا المجلس مُعيّن وعلى رأسه رئيس مجلس القضاء الأعلى، ومؤلّف من 8 قضاة و7 نواب، أي أنّ القضاة أكثرية فيه.

كذلك هذا المجلس لا ينعقد للمرة الأولى، بل حوكم أمامه الرئيس أمين الجميل والرئيس فؤاد السنيورة وعدد من الوزراء، فبرّأ البعض وحكم على البعض الآخر بالسجن.