حازم الأمين

طارق بيطار VS ميشال عون – حازم الأمين – الحرة

ثمة مأزق خارج التناول وجد المحقق العدلي بقضية انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق بيطار، نفسه به، فالرجل المحاصر والمهدد من زعماء الطائفتين السنية والشيعية في لبنان، هو في نفس الوقت غير محصن مسيحياً، وذلك لأسباب مختلفة تماماً.

فالرجل الذي تلقى تهديداً مباشراً من حزب الله عبر القيادي في الحزب وفيق صفا، وتعرض لهجوم مباشر من رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري، ولوح له النائب نهاد المشنوق بأن التعرض لرئيس الحكومة السابق هو تعرض لدار الفتوى ولموقع الطائفة السنية، وجد نفسه في العراء عندما تركه رئيس الجمهورية ميشال عون وحيداً في مواجهة ديناصورات السلطة.




الأرجح أن بيطار، الذي استحوذ في المقابل على تعاطف شعبي واسع لا سيما في البيئة المسيحية، أثار بعون غيرة لطالما أثارتها بالرئيس أي موجة تعاطف حيال أي مسيحي، وفي حالة طارق بيطار فإن دواعي الحذر والحسد العوني مضاعفة.

فالعونية بصيغها الأولى، وقبل تخصيبها بالحروب وبالمحاصصة والفساد، وقبل تتويجها بالباسيلية (نسبة لجبران باسيل)، لطالما خاطبت شرائح وسطى مسيحية عبر قيم يمثلها طارق بيطار اليوم. الدولة والقانون والعدالة، قيم بصيغها “البيطارية” قد تكون استعاضة عن الرثاثة التي أصاب ميشال عون هذه القيم بها، على ما تشعر به شرائح واسعة ممن انفكوا عن العونية أو ابتعدوا عنها، أو حتى ممن يواصلونها ليس عن قناعة، وانما في مواجهة من يكرهون.

نعم طارق بيطار قد يمثل لكثيرين في البيئة المسيحية تصويباً لما بعثت به العونية الأولى من مشاعر جرى خذلانها على مدى عمر التجربة. الدولة والمؤسسات والقانون، مشفوعاً إليها شجاعة ورغبة بالمواجهة غير واقعية لكنها أخلاقية.

طارق بيطار بالنسبة لحسن نصرالله عدو خارجي، وبالنسبة لنبيه بري هو “آخر” على مستوى القيم، وبالنسبة لدار الفتوى هو “النصراني” الذي يحاول توريط أهل السنة بالانفجار، أما بالنسبة لميشال عون فهو البديل والمنافس، حتى وإن كان هو نفسه غير طامح وغير معني بما يثير بعون الغيرة، أي المنصب والزعامة! بيطار هو صورة فشل ميشال عون، والمرآة التي تكشف الرثاثة والفساد اللذين غرقت بهما العونية. وبهذا المعنى فإن المخاطر التي يمثلها الرجل على الرئيس تفوق المخاطر التي يمثلها على نصرالله والحريري وبري، فهؤلاء يمكن أن يطيحوه من منصبه، أما عون فقد صار من الصعب عليه أن يطيحه من مشاعر اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً.

والحال أن هذا القاضي سقط على اللبنانيين من خارج موبقات النظام الذي كلفه بالمهمة. شاب شجاع ونزيه ومثابر، وهذه خصال كدنا ننساها، لا سيما في السنوات الأخيرة، ذاك أننا ألفنا وتعايشنا مع عبارات من نوع الفاسد والسارق والمجرم، وحسبنا أنها وحدها ما يخدم قصصنا وأفكارنا، إلى أن جاء طارق بيطار، فلاح أمل صغير، لم يلبث أن انقض عليه السراق والفاسدون والمجرمون، فوجد نفسه وحيداً في مواجهتهم، وقرر بحكم “لا واقعيته” أن يواصل المواجهة، وها هو وحيداً بمواجهة أعمدة نظام متسلط وفاسد ولا يتورع عن المجاهرة بالموبقات.

للجميع مصلحة بالإطاحة ببيطار، فالحقيقة، إذا ما ظهرت، ستشطب وجوه الجميع. وحزب الله عندما افتتح المواجهة مع القاضي وأتبعها بالتهديد أعلن على الملأ أننا لسنا في بلاد تحاسب على الأفعال، وأن الحقيقة ستطاله، أما تيار المستقبل، ومن المفترض أنه خصم سياسي ومذهبي لحزب الله، فأدرك أن النظام واحد، وأن اهتزازه سيصيب “الطائفة الكريمة” مثلما سيصيب حزب الله.

أما ميشال عون، فبالإضافة إلى أن التحقيق سيطاله في النهاية، فإن مشكلته مع بيطار مضاعفة، فهو في لحظة توريث دقيقة، وأي شخصية يمكن أن تستقطب مشاعر من مثلتهم العونية في يوم من الأيام، هي خطر يتهدد الوريث المتخبط بالفساد وبالحصص وبجني الثروة. وهذا قد يكون مصدر الخطر الأكبر على طارق بيطار. إنه الرجل الذي يريد أن يكون قاضياً، لا رئيساً، ذاك أن للرئاسة أبواب أخرى يعرفها جيداً ميشال عون.

الأمل ضعيف بالصمود، لكن المواجهة صارت مكشوفة، فقد أشهر الجميع شراهتهم، وكشف النظام عن أنيابه. على الطوائف أن تنضوي في حظائرها من دون أي ادعاءات. على الشيعة أن يقولوا نحن مع حزب الله لأنه يمثل تصدرنا، وعلى السنة أن يلتفوا حول دار الفتوى ويحصنوها حتى لو كانت الحقيقة والعدالة هي خصم، وعلى المسيحيين أن يكفوا عن انجذابهم للقاضي النزيه خوفاً على جبرانهم.