هل عراق الكاظمي قادرٌ على جمع قادة لبنان؟

سركيس نعوم – النهار

يتساءل #لبنانيون كثيرون عن سبب إحجام مصر عن القيام بالدور الأول لمساعدة بلادهم في معالجة ما تعانيه من انهيار وعلى كل الصعد. فهي الدولة العربية الأكبر جغرافياً وديموغرافياً وصاحبة أكبر جيش عربي وتجارب حربية عدّة مع إسرائيل أكسبتها خبرة عميقة ومهمة رغم أنها باستثناء حرب العبور في تشرين الأول 1973 كانت كلها خاسرة. الجواب عن هذا التساؤل يؤكد الرغبة القوية لمصر في مساعدة اللبنانيين ومبادرتها أكثر من مرة الى توظيف قوتها الناعمة التي ما تزال موجودة في لبنان لأسباب متنوعة وفي دول عربية أخرى من أجل تذليل العقبات التي تعوق عودته الى حد أدنى من السلم الأهلي ومن التوافق الوطني. ويؤكّد أيضاً تدخلها أكثر من مرة مع الدول العربية المؤثّرة في لبنان سلباً وإيجاباً في آن مثل المملكة العربية السعودية كي توظّف ما لها فيه من نفوذ للحؤول دون وقوعه في جهنم. لكن الجواب نفسه يلفت في هذا المجال الى عوامل عدّة تجعل مصر عاجزة عن تكرار تجربتها اللبنانية عام 1958 عندما أنهت “الثورة” أو بالأحرى “الحرب الأهلية” الأولى بعد الاستقلال بالتعاون مع الولايات المتحدة من جهة ومع حلفائها اللبنانيين الذين تعلّقوا برئيسها جمال عبد الناصر ودعوته الى الوحدة العربية الشاملة، كما مع الرئيس الذي اختارته القاهرة وواشنطن للبنان في حينه اللواء فؤاد شهاب. منها انشغال عبد الناصر بالعمل لإزالة آثار العدوان أي حرب 5 حزيران التي حقّقت فيها إسرائيل انتصاراً عسكرياً حاسماً ومدوياً في أيام ستة فقط، ومنها أيضاً اقتناع الرأي العام العربي بل الشعوب العربية بعجز الجيوش النظامية عن مواجهة إسرائيل، وبضرورة إفساح دولها المجال للثورة الفلسطينية التي أطلقها الراحل ياسر عرفات عام 1965 لبدء حرب التحرير الشعبية، انطلاقاً من الدول العربية المجاورة لإسرائيل وتزويدها كل المساعدات وحمايتها منها ومن الداخل العربي. ومنها ثالثاً انتقال عبد الناصر الى جوار ربه في أواخر أيلول 1970 وهو يبذل جهوداً جبارة لوقف حرب “الفدائيين الفلسطينيين” والجيش الأردني ودولته. ومنها رابعاً تغيّر أولويات مصر خلفه أنور السادات بعد نجاحه جزئياً في إزالة آثار العدوان يوم عبرت قوّاته قناة السويس وعادت الى صحراء سيناء، إذ صارت استعادة الاراضي المحتلة. وتحقّق ذلك لكن ثمنه كان غالياً في نظر عربٍ كثيرين، وهو السلام التامّ ولكن من دون تطبيع فعلي بين الشعبين المصري والإسرائيلي جرّاء رفض الأول. ومنها خامساً تردّي الوضع الاقتصادي في مصر لأسباب عدّة قديمها معروف وهو نمو الديموغرافية على نحو كبير جداً وتردّي الوضع الاقتصادي. ومنها سادساً الثورة الشعبية ضد الرئيس مبارك التي نجحت بفضل حماية الجيش لها، والتي أوصلت “الاخوان المسلمين” الى السلطة. لكن هؤلاء لم يحسنوا إدارة الدولة وحكم البلاد فمارسوا فئويتهم ولم يفوا بوعودهم للشعب، إذ حاولوا “أخونة” الدولة ومؤسساتها كلها. طبعاً الباقي معروف ثورة شعبية أخرى ساعدها الجيش فقضت على حكم “الأخوان” لكنها لم تقضِ عليهم. إذ تحولوا “إرهابيين” في رأي من خلفهم في السلطة، وهدّدوا استقرار البلاد، وشاركوا في ذلك “الإرهابيين” الإسلاميين المتطرفين الذين سمح لهم الربيع العربي بالنمو والعمل. ساهمت الحرب في ليبيا طبعاً ومشكلات السودان في تفاقم أوضاع مصر المجاورة لهما جرّاء تهريب الأسلحة والإرهابيين إليها من خلال حدودها معهما. ومنها سابعاً وضعها الاقتصادي الصعب رغم تحسنه بعض الشيء في عهد رئيسها الحالي عبد الفتاح السيسي. ومنها ثامناً وأخيراً نشوب أزمة كبيرة بين مصر واثيوبيا بسبب “سد النهضة” الذي بدأت الثانية بناءها منذ سنوات، إذ رفضت ورغم محاولات إفريقية ودولية وأميركية التفاهم مع مصر والسودان على حصص كل منهما في مياه النيل الأمر الذي لا بد أن يتسبّب لاحقاً بتدهور خطير لا يمكن تجنّبه.




هل يعني ذلك أن على لبنان أن يبحث عن جهة خارجية دولية كي تعاونه في الانهيار الذي أصابه على كل صعيد، والذي يهدّد وحدته الجغرافية بعدما صارت وحدة شعبه مستحيلة جرّاء تحوّله شعوباً، بحيث صار للمسيحيين شعب وللمسلمين والمحمديين ثلاثة شعوب، كما بعدما ساد الخلاف العلاقات فيما بينها؟ عن هذا السؤال يجيب سياسي لبناني له علاقات مهمة مع أطراف الداخل على تناقضهم، كما مع أطراف في الخارجيْن الإقليمي والدولي على تناقضهما بالقول: “أعتقد أن هناك دولة عربية واحدة قد تكون مؤهّلة في هذه المرحلة لاستضافة قادة شعوب لبنان ومساعدتهم كي يتوصّلوا فيما بينهم الى حلول أو على الأقل الى تسويات للأزمات الكبيرة التي أوصلت اللبنانيين الى الفقر والجوع والذل، وشلّت الدولة والمؤسّسات وقرّبتها من الانهيار التامّ بعد مئة سنة على تأسيس الكيان اللبناني. علماً أنها مرت بحروب وخصومات عدّة كانت جرس إنذار للزعماء اللبنانيين ولشعوبهم. لكنهم كلّهم لم ينتبهوا الى الإنذار وعلى الأرجح تجاهلوه لأسباب متنوعة صارت معروفة. هذه الدولة”. يضيف السياسي نفسه: “هي #العراق اليوم، ولا سيما في ظل رئاسة مصطفى الكاظمي لحكومته ومجلس وزرائها، كما في ظل ممارسته “الواقعية” للسلطة وإدارته استعادة العلاقات مع الأشقاء العرب وتركيز العلاقات مع إيران بشيء من المهارة. ذلك أن علاقته جيّدة مع أميركا وغير سيّئة مع إيران صاحبة النفوذ الكبير داخل بلاده ولا سيما في أوساط الغالبية الشيعية من سكانه. كما أنه قام بمبادرات مهمة منها جمع السعودية وإيران مرتين في العاصمة بغداد للبحث في الحد من سوء علاقتهما ببعض ولاحقاً في تحسينها. ومنها أيضاً القمة الثلاثية بينه وبين رئيس مصر السيسي والعاهل الأردني عبدالله الثاني. ومنها ثالثاً استضافته قمة شارك فيها رئيس دولة كبرى هي فرنسا وإيران والسعودية وقطر والكويت ودول أخرى. ومنها رابعاً استقبال العراق بابا الكاثوليك في العالم. وفي ظل استحالة وجود دولة عربية أخرى تستضيف اللبنانيين لحل مشكلاتهم المستعصية فإن العراق قد يكون مؤهّلاً لذلك، ولا سيما بعدما شاركت إيران في مبادراته المهمة المذكورة أعلاه رغم استمرارها في الحذر العملي منه. وما يؤهّله أكثر هو بروز ملامح ترجّح عودة أميركا الى الاتفاق النووي مع إيران وانتقالهما بعد ذلك الى الحوار حول كل ما يفرّقهما. وطبيعي أن يجعل ذلك إيران مرتاحة الى الدور اللبناني وأيضاً العربي لعراق الكاظمي أو أي زعيم آخر نظراً الى دورها المهم فيه عموماً والثابت في أوساط شيعته رغم الاختلافات المتنوّعة.

فهل يستضيف عراق الكاظمي اللبنانيين في العاصمة بغداد للبحث عن حلول لأزمتهم الكيانية المُزمنة؟