“المجاعة التربوية” في لبنان.. ملايين الليرات مقابل لوازم العام الدراسي الجديد

تعصف التحديات الناتجة عن الأزمة الاقتصادية في لبنان، بالعام الدراسي الجديد الذي ينطلق حضورياً بخطوات متعثرة بعد عامين من غياب قسري عن المدارس فرضته أحداث انتفاضة 2019 وما تبعها من أزمات، وأبرزها جائحة كورونا عام 2020 – 2021.

ثم جاء الانهيار المالي ليفرض واقعا أكثر قسوة على الأهالي والطلاب، لاسيما مع الارتفاع الهائل في أسعار القرطاسية والكتب وتكاليف الدراسة والمواصلات، إضافة إلى أقساط التعليم التي باتت تلحق بالدولار وتُجاري ارتفاعاته.




وبينما فتحت المدارس الخاصة أبوابها تدريجياً في استقبال “متردد” لطلابها، أعلن وزير التربية اللبناني، عباس الحلبي، تأجيل بدء العام الدراسي 2021 /2022 في المدارس والثانويات الرسمية إلى 11 أكتوبر، وذلك لأسباب عدة، أبرزها: أزمة المحروقات وارتفاع تكاليف النقل، وتداعيات الجائحة التي لا تزال تسجل انتشارا كبيراً بالقياس إلى عدد سكان لبنان، حيث يصل إلى حد تسجيل نحو 500 إصابة يوميا.

ثروات متنقلة

“يحمل أولادي يومياً إلى مدرستهم حقائب تتجاوز قيمة ما فيها ما يمكن أن أجمعه طيلة الشهر في محفظة نقودي”، يقول محمد بدر ساخراً في تعليق على ارتفاع أسعار الحقائب المدرسية والكتب والقرطاسية والأقلام.

ويضيف لموقع “الحرة”: “الحقيبة الواحدة سعرها مليون ليرة، الدفاتر والكتب بـ3 ملايين، أضف إليها الأقلام وأقلام التلوين والآلة الحاسبة وعلب الهندسة وغيرها من القرطاسية يصبح المجموع نحو 5 ملايين ليرة فقط في الحقيبة”.

ويتابع محمد: “أولادي يتنقلون بنحو 10 ملايين ليرة في حقائبهم يومياً من وإلى المدرسة، باتوا ثروات متنقلة بفعل ارتفاع أسعار اللوازم التعليمية”.

ويمثل هذا المبلغ راتب محمد لـ5 أشهر، وكان قد جمعه خلال الصيف، واستفاد من “مساعدة” بالدولار وصلته من شقيقه في أفريقيا ليغطي تكاليف العام الدراسي.

من جهتها، قالت نسرين أحمد، لموقع “الحرة” أثناء شراء قرطاسية ابنها من إحدى المكتبات الشهيرة في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت: “لدي مهمة تدريب ابني الآن على الانتباه إلى أغراضه من السرقة، الأسعار حقاً تثير المخاوف، وليس بمقدوري تحمل هذه التكاليف مرتين أو 3 في العام الواحد كما جرت العادة، بسبب تلفها أو سرقتها أو ضياعها”.

وتضيف “تكلفة القرطاسية لهذا العام تخطت 700 ألف ليرة، فيما الحقيبة لوحدها كلفتني 800 ألف ليرة، كنت واضحة مع ابني أن هذه القرطاسية قد يحملها معه للعام المقبل، إذا ما بقيت الأمور على ما هي عليه”.

ولا تنسى نسرين المعطف “الذي يعتبر ضرورة كل عام، حيث يختلف المقاس من سنة إلى أخرى”، وتقول بعدما تفاجأت بسعر المعطف الجديد الذي بلغ 950 ألف ليرة: “لجأت إلى محال الملابس الأوروبية المستعملة حيث عثرت على معطف بـ 350 ألف ليرة على أمل أن أتمكن من شراء غيره خلال العام، إذا ما تحسنت الظروف”.

ورغم غلاء الأسعار الفاحش في لبنان، والانهيار المالي للعملة الوطنية الذي أطاح بالقدرة الشرائية للبنانيين، لا تزال الرواتب على حالها دون زيادات تواكب ارتفاع التكاليف، إذ لا يزال الحد الأدنى للأجور في لبنان يبلغ 675 ألف ليرة، أي ما يساوي أقل من 40 دولارا في الشهر، فيما كل السلع والمواد الأساسية تلحق بسعر صرف الدولار، مما خلق هوّة كبيرة في السوق بين المداخيل والمصاريف.

تبادل وتصليح

وبحسب أسعار المكتبات في بيروت، تتراوح تكلفة شراء حقيبة مدرسية جديدة ما بين 400 ألف ليرة ومليون و200 ألف ليرة، وتختلف بحسب متانتها ونوعيتها ومكان تصنيعها، وهي تكلفة تعتبر مرتفعة على كافة الفئات الاجتماعية في لبنان ولا سيما أنها ارتفعت نحو 10 مرات عما كانت عليه خلال الأعوام الماضية.

أما نور، فلا تخجل من كونها عمدت إلى “ترقيع” حقيبة ابنتها بدلا من شراء واحدة جديدة، وتقول: “العام الماضي رفضت عدم شراء حقيبة جديدة، كان سعرها وقتها 200 ألف ليرة وكان مرتفعا جداً قياساً على قدرتي المادية، ولكن هذا العام الأسعار فاقت ما يتخيله عقل، سمعت من جارتي أنها أصلحت حقائب أولادها فقمت بالأمر ذاته، كان فيها مشكلة في السحابات أصلحتها وأعدت خياطتها لتكون متينة، ونمرر هذا العام بها”.

الأمر نفسه فعله محمد بمعطف أحد أولاده: “ابني الكبير لا يزال يحتفظ بمعطفه من العام الماضي، ولكن الصغير سبق أن أحرقه، وكنا ننوي رميه، لكن زوجتي، حرصا منها على التوفير، قررت حمله إلى خياط حيث وضع عليه طبعة تخفي مكان الحرق وبات صالحاً للبس، ولولا ذلك لكنت مضطراً أيضاً لدفع ما يقرب من 600 ألف ليرة ثمناً لمعطف”.

ويجد كثير من اللبنانيين الحل الأوفر في اللجوء إلى الخياطين والسكافين لإصلاح الملابس والحقائب والأحذية، كذلك بالنسبة إلى متاجر الألبسة المستعملة “البالة” التي باتت تؤمّن ما يعجز الأهل عن شرائه من متاجر الألبسة الجديدة والمستوردة.

وتنشط عبر مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، عمليات تبادل الحقائب المدرسية والملابس والقرطاسية بين الأهالي عبر مجموعات مخصصة لذلك، يعرضون فيها ما يملكونه وما يحتاجونه من لوازم مدرسية، وعلى أساسها تتم عمليات البيع والشراء، أو التبادل.

المدارس تساعد

من جهتها، اتخذت مدارس خاصة مجموعة إجراءات من شأنها التوفير على الأهالي وتسهيل سير العام الدراسي في هذه الظروف الصعبة، حيث عمد بعضها إلى تعليق قوانينها المتعلقة بالزي الموحد والألبسة الرياضية المعتمدة، تاركة للأهالي حرية اختيارها بما يتناسب مع قدراتهم، فيما تراجعت مدارس أخرى عن قراراتها بمنع استخدام الكتب المستعملة، مستحدثة أقساماً خاصة لتبديل الكتب بين التلامذة، إما مجاناً أو بأرباح رمزية.

الأمر نفسه بالنسبة إلى الزي الموحد حيث خصصت المدارس أياما محددة للأهالي من أجل الاجتماع في المدرسة وتبادل “المراويل” والملابس الرياضية بين الطلاب. كذلك تخلت مدارس عدة عن تحديد القرطاسية المطلوبة للعام الدراسي مكتفية بما هو لازم وضروري وفق حاجة التلاميذ الآنية.

مدرسة “الآباء الأنطونيين” في بعبدا، كانت واحدة من المدارس التي خصصت يوماً لأولياء الأمور والطلاب من أجل تبادل الكتب والملابس فيما بينهم، وهو ما لاقى استحسانا لدى الأهالي الذين استفادوا من توفير يصل إلى حد الـ50 في المئة بتلك التكاليف.

وتقول إدارة المدرسة في حديثها لموقع “الحرة”، أن هذه الخطوة جاءت “لتجنيب الأهل المجاعة التربوية التي يعيشها لبنان، لاسيما وأن الجميع يعاني من الضغوط المادية وصعوبات تأمين المأكل والمشرب والمحروقات والكهرباء وتكاليف الحياة الباهظة، وعليه قررنا تقديم كافة التسهيلات التي يمكن أن تسهل الأمور على الأهل في الظروف الراهنة”.

محاولات متعددة للعبور بالعام إلى بر الأمان
محاولات متعددة للعبور بالعام إلى بر الأمان

وتتابع: “الفاتورة التربوية مكلفة على الجميع دون استثناء، وجدنا الحل الأمثل في تعاضد الناس وتعاونهم في هذه الظروف، وبالتضامن من قبل المدرسة التي تعاني بدورها أيضاً من آثار الواقع الاقتصادي في البلاد”.

كذلك تؤكد إدارة المدرسة أنها بهذه الخطوة عملت على التوعية إلى أن “شراء الكتب المستعملة أو تبادلها بين الطلاب ليس بالأمر المعيب، المعيب أن يحرم طلاب من التعليم في هذا الزمن بسبب التكاليف المادية، وبهذا الأمر أيضا حاربنا الصورة النمطية الموجودة في لبنان وعن اللبنانيين، حيث شارك تقريباً كل أهالي الطلاب المسجلين في المدرسة وقدروا هذه الخطوة كثيراً، وطلبوا منا دائما اعتماد هذه الإجراءات حتى في أيام البحبوحة وليس فقط في زمن الأزمات”.

وتختم الإدارة مؤكدة أنها اتخذت إجراءات أخرى تتعلق بإيقاف البيع نهائيا داخل حرم المدرسة خاصة بعد ارتفاع الأسعار، “لا كتب ولا قرطاسية ولا غيرها، وأغلقنا الكافتيريا لعدم إحراج الطلاب بتفاوت قدراتهم الشرائية، إضافة إلى تجنب الخوض في أعمال تجارية تدخل المدرسة في أسواق سوداء وتبعدها عن هدفها التربوي وبعده الإنساني”.

يذكر أن تكاليف الكتب في المدارس الخاصة لهذا العام، تتراوح ما بين 3 و7 ملايين ليرة، في حال كانت الكتب جديدة، وفقاً للمدارس ومناهجها، وتنخفض التكلفة نحو 40 إلى 50 في المئة في حال اعتماد الكتب المستعملة.

أما فيما يخص المدارس الرسمية فقد تولت منظمة اليونيسف تمويل تكاليف الكتب الدراسية المعتمدة لدى المركز التربوي للبحوث والإنماء المعني بوضع المناهج التربوية في لبنان، وبالتالي ستوزع مجاناً على الطلاب.

أسعار خيالية

وفي جولة على أسعار القرطاسية واللوازم المدرسية في المكتبات، يتضح أنها سجلت قفزات في سعرها ناهزت الـ 10 أضعاف بالنسبة لبعض الحاجيات، فقلم الرصاص مثلاً الذي كان يباع بـ 500 ليرة لبنانية بات اليوم يكلف نحو 5000 ليرة، فيما سعر الآلة الحاسبة بلغ 200 ألف ليرة بعدما كان نحو 65 ألفا خلال الأعوام الماضية.

أما الدفاتر هي الأكثر تكلفة بحيث يتراوح سعر الدفتر اللازم للمادة الواحدة ما بين 100 و150 ألف ليرة فيما يحتاج الطالب إلى دفتر لكل مادة تقريباً.

قلم الحبر الجاف قفز سعره من 500 ليرة إلى 8000 ليرة، وقلم الحبر السائل بات بنحو ٥٠ ألف ليرة. ويتراوح سعر علبة التلوين ما بين 50 ألف ليرة و250 ألفاً، بحسب النوعية والحجم، وينطبق المبدأ ذاته على علب الأدوات الهندسية التي تتراوح أسعارها ما بين 20 ألف ليرة و100 ألف، الممحاة يتراوح سعرها ما بين 20 و50 ألف ليرة.

وتؤكد نسرين، أن تكلفة العام الدراسي الحالي قد تخطت بالرقم الذي تكبدته حتى الآن تكلفة 6 سنوات من تعليم ابنها مجتمعة، بالنسبة إلى الأقساط والقرطاسية واللوازم المدرسية. والأمر نفسه بالنسبة إلى نور التي تعيش مع ابنتها سنتها الدراسية الرابعة.

أما محمد فيختم حديثه بالقول: “جمعت تكاليف اللوازم المدرسية ومعها الأقساط السنوية إضافة إلى تكلفة التنقل التي تصل إلى حد الـ 700 ألف ليرة في الشهر للولد الواحد كأجرة باص، وصلت إلى حد الـ 30 مليوناً للولدين، ما كان يساوي نحو 20 ألف دولار وفق سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة)، هذه التكلفة كانت كافية ليتخرج أولادي أطباء ومهندسين من الجامعات، بينما لا يزالون اليوم بالتعليم المتوسط والابتدائي”.




الحرة