من “يتَّمَ” لبنان شعوبه أم أشقاؤه أم حلفاؤه وأصدقاؤه؟

سركيس نعوم – النهار

عام 1989 بدا للمجتمع الدولي وتحديداً للولايات المتحدة أن استمرار الحروب الأهلية وغير الأهلية في #لبنان لم يعد جائزاً، ليس لأن قلوب المسؤولين في الأول كما في الثانية “رقَّت” لحال اللبنانيين الذين يخوضونها بالأصالة عنهم وبالوكالة عن غيرهم من عرب وأجانب جرّاء الخراب والدمار اللذين لحقا ببلادهم والعدد الكبير من القتلى والجرحى والمشوّهين والمعوّقين الذين سقطوا فيها، بل لأن الاتصالات والمشاورات التي كانا يجريانها في المنطقة أظهرت وجود احتمال لبدء عملية سلام في الشرق الأوسط بين العرب وفي مقدمهم أصحاب القضية أي الفلسطينيون وإسرائيل. ما كان لذلك أن يبدأ في حال استمر التقاتل بين اللبنانيين وبين أشقائهم وأعدائهم بواسطتهم. بالفعل باشرت المملكة العربية السعودية حليفة الولايات المتحدة وشقيقة سوريا الطرف في حروب لبنان وحليفتها في آن في إجراء اتصالات مع أطراف الحرب من اللبنانيين مع مراقبة ومتابعة أميركيتين لها من بعيد ومن قريب، وأقنعتهم بعقد اجتماع لنوّابهم أو من بقي منهم على قيد الحياة في مدينة الطائف أثمر وثيقة جديدة للوفاق الوطني ترجمها الدستور اللبناني بعد تعديله. الباقي معروف، بدأت سوريا بطلب عربي (سعودي) – أميركي مساعدة اللبنانيين لتطبيق الاتفاق لكن مهمتها تعرقلت في البداية قرابة السنة جرّاء رفض الجنرال ميشال عون رئيس الحكومة العسكرية الانتقالية أو نصف الحكومة التخلّي عن السلطة واستمراره في الحرب متوهماً أنه قادر على تغيير سياسة أميركا وعلى قهر سوريا الأسد الأب والمؤسّس. غير أنها أي المهمة تحقّقت وبنجاح في 13 تشرين الأول 1990 يوم تلقّى الأخير ضوء أخضر من واشنطن للقضاء على التمرّد العوني مكافأة له على وقوفه وبلاده معها في حملتها العسكرية لإخراج جيش عراق الراحل صدام حسين من الكويت بعد احتلاله لها.




في عام 2008 بدا للمجتمع الدولي أن عودة التوتر والإنقسام في لبنان جرّاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل ثلاث سنوات وشن إسرائيل حرباً فاشلة على لبنان عام 2006، وانقسام اللبنانيين شارعين احتلا وسط بيروت مدة طويلة، وإقدام “حزب الله” على تنفيذ “عملية عسكرية” في العاصمة ضد أخصامه جرّاء إصرار الحكومة وكانت تمثلّهم في حينه على تعطيل شبكة اتصالاته المنفصلة عن شبكة الدولة، وغياب أي قوّة عسكرية خارجية (سورية) قادرة على ضبط الوضع، بدا للمجتمع الدولي والعربي أيضاً أن هناك حاجة لجمع اللبنانيين من أجل إنهاء فراغ رئاسي أولاً بانتخاب رئيس للجمهورية والاتفاق على شخص الرئيس وعلى مبادئ تأليف الحكومة الأولى في عهده. تمّ جمع الجهات التي تمثلهم ولكن يومها في الدوحة عاصمة دولة قطر. وأسفرت المحادثات التي استمرت أياماً قليلة بقيادة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رئيس الدولة المضيفة عن اتفاق أخرج محتلّي وسط بيروت من الفريقين الخصمين، وأوصل رئيساً الى قصر بعبدا، وسهّل تأليف حكومة بدأت معها “بدعة” الوزير الملك الذي يؤمّن الثلث الضامن أو بالأحرى المعطّل كما يسمّيه اللبنانيون.

لماذا استعادة تلك المرحلة من تاريخ لبنان؟ لأن الوضع الداخلي فيه عاد الى الحماوة الذي كان عليها عامي 2007 و2008 والى الانقسام ومعهما الانهيار على كل صعيد بدءاً من انقسام المؤسسات ثم تحوّل الدولة فاشلة وبكل المقاييس. ولأنه يحتاج الى عرّاب أو كفيل موثوق من الجميع غير لبناني طبعاً ويُستحسن أن يكون عربياً وأن تتوافر له تغطية دولية ولا سيما أميركية يجمع الأطراف اللبنانيين ويرعى محادثات فيما بينهم من أجل التوصل الى تسوية داخلية للمشكلات المستعصية والى تفاهم على طريقة للحصول على مساعدات الخارج، إذ من دونها يستمر الوضع الانهياري للشعب والدولة وينتهي لبنان دولةً بل وطناً قابلاً للحياة. لكن السؤال يُطرح هنا أو بالأحرى هي الآتية:

الأول من هي الدولة العربية القادرة على جمع الأطراف اللبنانيين في عاصمتها أو إحدى مدنها وعلى رعاية محادثات بينهم والضغط عليهم “بمحبة وسخاء” كي يتوصّلوا الى اتفاق؟ الجواب أن المملكة العربية السعودية المؤهّلة أكثر من غيرها لعمل كهذا لم تعد راغبة فيه بعدما صارت جزءاً من المشكلة والحرب المستمرة في لبنان وإن سياسياً حتى الآن على الأقل بعد انتهاء الحرب العسكرية عام 1990، كما بعدما خاب أملها منه ومن شعوبه لأسباب معروفة.

الثاني هل تستطيع سوريا القيام بهذا الدور؟ الجواب هو كلا بالطبع. فهي من زمان مشاركة في حروب لبنان الداخلية – الإقليمية وأحد أسباب محنه الكثيرة. فضلاً عن أنها في حرب داخلية – خارجية بدأت عام 2011 ولمّا تنتهي بعد. وصارت هي نفسها في مشكلة كبيرة وجزءاً أساسياً من مشكلة لبنان الأمر الذي ألغى أي دور لها فيه حتى الآن على الأقل.

الثالث هل تستطيع إيران الإسلامية بعدما صارت لاعباً أساسياً كبيراً في لبنان رعاية اجتماع لقادة شعوبه في طهران، بعد امتناع الدول العربية عن ذلك، من أجل مساعدتهم على التوصل الى حلول أو تسويات أو ربما صيغة جديدة لنظام بلادهم؟ الجواب هو كلا بالطبع لأنها صارت في رأي ثلاثة شعوب لبنانية من أصل أربعة هي المشكلة. والفريق في الحروب اللبنانية لا يستطيع أن يكون حكماً فيها. فضلاً عن أنها فريق في حرب دائرة مع دول المنطقة كما مع أميركا. وهذا أمرٌ لا يسمح لها بالقيام بالدور المطلوب.

السؤال الرابع والأخير هل تستطيع الولايات المتحدة القيام بدور الجامع للبنانيين في واشنطن أو في إحدى عواصم حليفاتها في الإقليم؟ الجواب لم يعد نعم وبكل ثقة وتأكيد. فهي أيضاً صارت جزءاً من مشكلة لبنان وأزماته وانهياره وحروبه أولاً بسبب “الحرب” غير العسكرية المباشرة التي تخوضها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة كلها ولا سيما في لبنان حيث للثانية وجود مهم عسكري وسياسي وشعبي ومالي عبر ابنها “حزب الله” وشريكته في الثنائية الشيعية “حركة أمل”. ثانياً بسبب بدء هذه الدولة “الأعظم” حتى الآن على الأقل مراجعة سياستها في الشرق الأوسط كما في مناطق عدّة من العالم بعد الضرر الكبير الذي ألحقه بها هيبة ودوراً الرئيس السابق ترامب، وبعد اضطرارها الى وضع استراتيجيا جديدة حدّدت فيها عدوّها الأول أو المهدِّد الأول لها وهو الصين وأعداء آخرين. وهي تعد العدة لمواجهة تمدده. لا شك في أن ذلك أثّر سلباً على حلفائها لا سيما في الشرق الأوسط الذين كان اعتمادهم عليها مطلقاً في السابق وصاروا الآن مضطرين الى الاعتماد على أنفسهم على صعوبة ذلك، والى البحث عن حلفاء جدد لهم في العالم من دون التخلّي عن المظلة الأميركية التي لا تزال كبيرة وواسعة ويستحيل التخلّي عنها.

أيّ عاصمة عربية أو إقليمية غير عربية تستطيع استضافة قادة شعوب لبنان ومساعدتهم على حل مشكلاتهم، بل على إقامة لبنان جديد بعد “نجاحهم” الباهر في القضاء على لبنان الجمهورية الأولى بعد 47 سنة من قيامها ثم الثانية بعد 21 سنة من قيامها أيضاً؟