توظيف مضخم لـ”تسوية فرنسية ايرانية”

روزانا بومنصف – النهار

حين يوهم بعض الافرقاء السياسيين بان التسوية الفرنسية الايرانية انتجت الحكومة بأرجحية يوحي من خلالها رئيس الجمهورية وتياره ومعه حليفه الشيعي ان الامور استتبت لهما، الاول بفعل المضي في اظهار ان رئيس الجمهورية ” استعاد” صلاحيات ما قبل اتفاق الطائف وترؤسه اجتماعا صباحيا يتصل بالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي وفقا لاجتهاد دستوري ، والاخر بفعل تجاوزه الدولة وانتهاكه سيادتها بالمازوت الايراني وتهديد المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، فان لهذا الايحاء تبعتين على الاقل: ان فرنسا التي تعهد رئيسها مرارا وتكرارا بعدم ترك لبنان فانه تركه في النهاية لمصلحة ايران بحثا عن انتصار ما في ظل الانتكاسات التي مني بها اخيرا وتألفت الحكومة بناء على التسليم الفرنسي ل#إيران. والتبعة الاخرى تتصل بواقع ان نمط التعطيل الذي استسلم له الخارج تحت وطأة الانهيار الذي لا يمكن لهذا الخارج تحمله قد ادى إلى تشجيع من قام به على المضي بمثله من اجل تحقيق نجاحات لا تبدو محتومة في المرحلة المقبلة خصوصا بالنسبة إلى توريث ميشال عون صهره الرئاسة الاولى. يكشف سياسيون مطلعون في باريس ان في هذا الايهام تبسيطا في غير محله. فحين يرتب الفرنسيون زيارة لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي لقصر الاليزيه بعيدا من احاطته بالبروتوكولات المتصلة بوجوب مشاركة وزير الخارجية او سفير فرنسا في لبنان فانما لاعتبارات مقصودة وهادفة تفاعل معها عون وحلفاؤه على نحو سلبي وان نفوا ذلك علنا. لا تملك باريس لا من حيث القدرة ولا من حيث الموقع ان تسلم لبنان إلى إيران فيما ينبغي ان يشكل التشكيك فيها على هذا الصعيد نكسة لها لجهة ما يصيب الثقة بها وبمدى تعاطفها مع لبنان. وتكفي الرؤية الخارجية التي تستبعد امكان قدرة عون على ايصال صهره إلى الرئاسة من زاوية عدم قبول الخارج ان كان عربيا او غربيا بان يكون البلد في يد ايران على غير ما توحي به ممارسات ” #حزب الله” في لبنان. ورئاسة الجمهورية المقبلة محورية على هذا الصعيد قياسا إلى ما بات عليه التيار العوني من استسلام عبر عنه غياب اي رد فعل لا على المازوت الايراني الذي عبَر عبر معابر غير شرعية ولم يخضع لا للرقابة ولا للرسوم المتوجبة على الاستيراد وكذلك غياب اي رد فعل على التهديد الذي وجه إلى قاضي التحقيق في انفجار المرفأ. وكان سبقه اعلان جبران باسيل انه يضع حقوق المسيحيين في عهده الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، الامر الذي اخذته السفارات الغربية والعربية جيدا في الاعتبار.




النظرة الفرنسية للحكومة وفقا للسياسيين المعنيين انها حكومة وقف النزيف والانهيار ليس الا والذهاب إلى محاولة تحقيق امرين: اجراء مفاوضات مع صندوق النقد الدولي والانتخابات النيابية. اذ يعرف الفرنسيون كما سواهم ان لا التركيبة الحكومية الجديدة ولا التوقيت من حيث ضيق المهلة الفاصلة عن موعد الانتخابات ولا العامل الضاغط المتمثل في هذه الانتخابات تسمح جميعها بتعليق امال كبيرة على هذه الحكومة. فالمصلحة الفرنسية لاقتها مصالح دول اخرى كما مصالح الافرقاء السياسيين في وقف الارتطام الذي كان يتجه اليه البلد من دون ان ينفي ذلك ان تعاونا حصل بين فرنسا وإيران. وليس اي تعاون او تفاهم يفترض ان يعني تسليما للآخر او استسلاما له وفق ما يروج او ورقة على بياض بمعنى حصول تفاهم استراتيجي بين الجانبين الفرنسي والإيراني. ولعل فرنسا ساهمت بسذاجة سياسية في الايهام بعيد رعايتها جلسة برئاسة رئيسها في قصر الصنوبر في ايلول من العام الماضي في ذكرى الاحتفاء بمرور 100 سنة على إعلان لبنان الكبير بطموحات إنقاذيه ليست في متناول يديها. ويفيد إيران وفق ما يتفق على ذلك مسؤولون ديبلوماسيون غربيون ان يبقى لبنان من دون حكومة لأنه يكبر من حجم ” حزب الله” ويقوي موقعه وكذلك استفادة النظام السوري فيما ان تأليف الحكومة لم يعط الحزب او حليفه المسيحي أكثر مما كانا قابضين عليه في الحكومة السابقة لا سيما ان اداراتهما للبلد عبر هذه الحكومة ادت به إلى انهياره ومؤسساته فيما تحمل حكومة حسان دياب وحدها مسؤولية القرارات الهمايونية التي اتخذتها فيما هي لمن كان وراءها. ومن البديهي ان يشعر دياب بالظلم الذي لحقه نتيجة رئاسته للحكومة في المرحلة السابقة وفق ما اسر إلى البعض لا سيما بعد الادعاء عليه في موضوع انفجار مرفأ بيروت. ولكن لا الغزل الفرنسي الايراني يفترض ان يحمل الامور ابعد مما تحتمل ولا كذلك تفاهم الحد الادنى الممكن كما لن تكون نقلة نوعية مع الحكومة انما مرحلة دقيقة وخطيرة اوجبت وقف النزف وتضميد الجروح ليس الا.

هناك محاولات توظيف قوية لا سيما من تحالف عون والحزب لتأليف الحكومة من اجل استدراك وضع داخلي يصب في مصلحتهما نتيجة التشرذم المخيف لكل القوى الاخرى بحيث ان الحلف الوحيد القائم في البلد هو بين هذين الفريقين في حين لا كلام ولا سلام بين اي من الافرقاء الاخرين من خصومهما. وهذه نقطة الضعف الاساسية لا سيما ان كل الافرقاء اصيبوا بنكسات يحاولون التعافي منها. ويفترض الاقرار بان البعض يعتبر ان هناك مكابرة كبيرة في الاعتراف بان ” حزب الله” نجح إلى حد كبير بمساعدة الواجهة التي شكلها له العهد العوني في شكل اساسي في تغيير صورة البلد ابتداء من لحظة دخول اي زائر عبر مطار رفيق الحريري الدولي إلى ما يشبه احدى ضواحي طهران وليس لبنان وصولا إلى تأمين استيراد المازوت الايراني عبر المعابر غير الشرعية وبيعه لمستشفيات ومؤسسات بسعر اقل من المحروقات المستوردة ليس الا لانه لم يدفع الضرائب المتوجبة عليه كمستورد لهذه المواد. وهذا امر محبط جدا للبلد وابنائه وله اثمانه الحتمية في تغيير صيغة البلد على نحو خطير.

ما بعد الانتخابات النيابية في حال اجرائها مرحلة جديدة من التجاذب او بالأحرى الصراع على خلفية الرئاسة المقبلة في ظل متغيرات اقليمية ليس واضحا اذا كانت ستحسم ام لا حتى ذلك الوقت. فليستفد اللبنانيون من المرحلة الانتقالية مع هذه الحكومة والهدنة المتاحة حتى اشعار اخر.