راجح الخوري - النهار

النادلة صانعة مجد ألمانيا – راجح خوري – النهار

عشية الانتخابات الالمانية التي جاءت نتائجها متقاربة بين الأحزاب، ما يعني ان تشكيل الحكومة سيواجه كثيراً من الأخذ والرد وقد يستغرق شهوراً، قالت انغيلا ميركل المستشارة التي هيمنت على المشهد السياسي الألماني وحتى الأوروبي لمدة 16 عاماً، في حديث الى وكالة “بلومبرغ” انها بعدما انخرطت أكثر من ثلاثين عاماً في عالم السياسة، فإنها الآن وقد قررت التقاعد، لم تسأل نفسها ابداً عن الشيء الآخر الذي يمكن ان يثير اهتمامها “لكنني قررت ان اول ما سأفعله هو لا شيء، وسأنتظر ما يحدث. ستأتيني دعوات، لكن إذا كنت سأعدّ لنفسي جدول اعمال فقط لأنني أخشى الفراغ القاتل، فأنا لا أريد هذا”!

لكن نتائج الانتخابات ستفرض عليها لأنها كأمّ و”مديرة للأزمات” كما وصفها الكاتب البريطاني جون كامبنغر، ان تبذل المزيد من جهودها البارعة لترتيب تفاهمات بين حزبها الديموقراطي المسيحي، الذي حلّ في المرتبة الثانية متخلفاً بنسبة ضئيلة عن الحزب الديموقراطي الإشتراكي، لتشكيل حكومة جديدة، ولكن عندما توجه الناخبون الالمان يوم الأحد الى صناديق الإقتراع، ذهبت هي الى متنزه للطيور لتقدم استعراضاً جميلاً وسط عدد من الببغاوات، التي كانت تنقر يديها وتقف على رأسها وهي تقدم لها الحبوب وتطلق الصراخ.




كان من المدهش فعلاً قبل أيام ان تعطي ميركل درساً موجعاً لأولئك الزعماء الفاشلين والهامشيين في هذا العالم، الذين يلتصقون بكراسيهم ويواصلون فشلهم في الحكم وتحمّل المسؤولية، بعدما اختارت هي الذهاب الى التقاعد بعد 30 عاماً في السياسة، جعلتها اقوى امرأة في العالم وبرقم قياسي للمرة العاشرة من قِبل مجلة “فوربس”، فعلاً كان من المدهش ان تقول انها لم تسأل نفسها عن الشيء الآخر الذي يمكن ان يثير اهتمامها، وبرغم هذا وبرسم زعماء كثيرين في العالم: “لأنني بلغت السابعة والستين فليس لديّ وقت لا نهائي”.

هل من الضروري ان نتذكر فرانكو مثلاً او تشاوشيسكو او بوتفليقة وكثيرين كثيرين غيرهم، من أولئك الذين لم ولن يفعلوا شيئاً سوى الجلوس على كرسي الحكم، بينما تغادر ميركل التي يسميها الألمان “موتي” او الوالدة، بعدما قادت اهم اقتصاد في العالم وحافظت عليه لمدة 16 عاماً رغم ازمة 2008 العالمية، كما حافظت على تماسك أوروبا: “إذا فشل اليورو ستفشل أوروبا ولا يمكن السماح بحدوث ذلك، و#ألمانيا مستعدة دائماً لتقديم المساعدة”، ولقد شاهدنا ذلك في أزمة اليونان.

في كتاب الصحافية باتريشيا ليسنر كراوس “ميركل… السلطة… السياسة”، تقول ميركل انها يوم كانت تدرس الفيزياء في المانيا الشرقية: “نعم عملت كنادلة في حانة. كنت أحصل على أجر يراوح ما بين 20 و30 فينيج عن كل مشروب كنت أبيعه، وهذا منحني دخلاً اضافياً وصل الى 30 ماركاً في الأسبوع وهذا ما ساهم في دفع الإيجار”!

لكنها الوالدة الألمانية التي صنعت أضخم اقتصاد في العالم والتي تسكن حتى اليوم في شقة متواضعة تكنسها وتمسحها بيديها وتنزل الى السوق لتشتري بقالتها، والتي تضع الرداء إياه على كتفيها منذ عشرة أعوام. إنها المرأة القائدة وزعيمة أوروبا والتي قال عنها جورج بوش الأبن: “ميركل نقلت الجودة والكرامة الى موقع مهم للغاية، واتخذت قرارات صعبة للغاية، لقد فعلت ما هو الأفضل لألمانيا، وفعلته من منطلق المبدأ”!

وعندما تغادر ميركل القمة وتختار الذهاب الى التقاعد، تكون على الأقل قد أعطت درساً لزعماء كثيرين في هذا العالم، لكنهم ينامون في كراسيهم وبلادهم ليست المانيا طبعاً بل مجرد دول فاشلة شعوبها في الذلّ!