واشنطن تمهد لإعادة العلاقات مع حلفائها في الشرق الأوسط كما كانت

يستعد مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان لجولة تستهدف رأب الصدع في العلاقات بين الولايات المتحدة وأقرب حلفائها في المنطقة.

وابتداء من الاثنين يزور سوليفان مصر والإمارات والرياض ليلتقي عددا من كبار المسؤولين فيها، كما تشمل الخطط المعلنة اجتماعا في “نيوم” مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وكبار معاونيه.




وسوليفان هو أرفع مسؤول توفده واشنطن إلى المنطقة بعد أن ألغت السعودية زيارة إلى الرياض كان ينوي وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن القيام بها، إثر اتخاذ إدارة الرئيس جو بايدن قرارًا يقضي بسحبِ نظام الدفاع الصاروخي “باتريوت” من السعودية. وهو ما اعتبرته الرياض تصرفا لا يستقيم مع متطلبات الشراكة الأمنية بين البلدين بينما ظلت تتعرض لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة من جانب جماعات الحوثي في اليمن.

ولم تخف إدارة بايدن موقفها البارد تجاه الرياض وأبوظبي والقاهرة عندما قررت سحب بطاريات باتريوت من السعودية، وعندما تباطأت في إعلان موافقتها على صفقة طائرات أف 35 (تايفون) للإمارات، بالإضافة إلى حجب جزء من المساعدات التي تقدمها لمصر والتي تبلغ قيمتها 130 مليون دولار.

إلا أن موقف هذه العواصم الهادئ واستعدادها للبحث عن بدائل أقنعا البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة ستكون هي الطرف الخاسر عندما تتخلى عن أكبر حلفائها لدوافع لا تتوافق مع الطبيعة الاستراتيجية للعلاقات بينها وبين هذه الدول. ويقول مراقبون إن هذه المراجعة الأميركية تؤكد المثل الفرنسي القائل “لا تتغير الأمور إلا لتعود كما كانت”.

وأبلغ بايدن الكونغرس، قبل أن يقرر إرسال سوليفان إلى المنطقة، بأن إدارته ستواصل عملية بيع أسلحة بقيمة تزيد على 23 مليار دولار لدولة الإمارات، والتي تضم مقاتلات متطورة من طراز أف 35، إلى جانب طائرات مسيرة ومعدات أخرى. يأتي ذلك وسط توقعات بأن يحمل سوليفان تطمينات جديدة للقاهرة والرياض بشأن حرص إدارة الرئيس بايدن على أن تستعيد العلاقات زخمها التقليدي.

وقال مصدر دبلوماسي غربي مطلع على مضمون الزيارة المنتظرة إن “الملف النووي الإيراني والجهود المبذولة لإجبار ميليشيات الحوثيين المدعومة من إيران على التجاوب مع نداءات السلام ووقف الحرب في اليمن وتعزيز التعاون بين الرياض وواشنطن، وخاصة في المجال الأمني، هي قضايا تتصدر أجندة مباحثات سوليفان مع المسؤولين السعوديين”.

وذكر المصدر أن سوليفان سيبلغ القيادة السعودية بأنه “إذا لم تُستأنف المحادثات النووية مع طهران قريبا، فإن إدارة بايدن ستفرض عقوبات جديدة على إيران”.

ومن المتوقع أيضا -بحسب المصدر ذاته- أن ينقل سوليفان إلى ولي العهد السعودي “تأكيد الرئيس الأميركي حرصه على استمرار العلاقة بين بلاده والسعودية والتزام واشنطن التام بالحفاظ على أمن واستقرار المملكة وفق ضوابط ترضي الطرفين”، وذلك فضلا عن “إدراك واشنطن أهمية استمرار التعاون الأمني مع الرياض على صعيد تبادل المعلومات في ما يخص مكافحة الإرهاب الدولي، وعلى صعيد المساهمة في إرساء سبل السلام والأمن بمنطقة الشرق الأوسط”.

وأقنعت المماطلة الإيرانية في العودة إلى مفاوضات فيينا، والشروط المسبقة التي باتت تضعها طهران على هذه العودة، إدارة بايدن بأن أي موقف ضعيف تتخذه حيال إيران سوف ينعكس سلبا على نفوذها في المنطقة وعلى الثقة بتعهداتها الأمنية.

وبينما لن تعجز الرياض وباقي دول الخليج عن العثور على بدائل تكفل أمنها، فإن الولايات المتحدة لن تحقق أي منافع استراتيجية عندما تنسحب من المنطقة تحت وطأة الرغبة في الانكفاء إلى شؤون المنافسة التجارية مع الصين.

ويمكن لزيارة سوليفان أن تمهد لإصلاح “ذات البين” مع الرياض، إلا أن السعودية لن تكتفي بتعهدات لا تسندها التزامات راسخة، لاسيما حيال الأزمة في اليمن وحيال الأدوار الأخرى التي تلعبها إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

ويقول مراقبون “سواء تمت العودة إلى الاتفاق النووي أو لم تتمّ فإن ضمانات الأمن الإقليمي بالنسبة إلى دول المنطقة ليست مما يمكن التهاون فيه”.

واعتبر هؤلاء المراقبون أن إلغاء زيارة أوستن قبل ساعات من موعد وصوله إلى الرياض كان بمثابة صفعة دبلوماسية تمت تغطيتها بسرعة في واشنطن بينما كانت السعودية تتفاوض على اتفاق للتعاون العسكري مع روسيا. وقال الباحث والأستاذ الجامعي الأميركي بول ساليفانغرد حينئذ “على واشنطن أن تتعلم مجددا كيف تلعب النرد والشطرنج”.

ومن جهته قال الباحث الأميركي إيلان بيرمان إن “السعودية تغير وجهتها نحو الشرق في تحوّلٍ استراتيجي كبير من قبل الرياض، ردًّا على تغير سياسة واشنطن الشرق أوسطية”، مضيفا أن العلاقات السعودية – الأميركية الوطيدة باتت الآن “ضحية مراجعة الرئيس بايدن لسياسات سلفه دونالد ترامب”.