من أين يمكن البدء بالإصلاح؟ – نايلة تويني – النهار

يكثر الحديث عن الاصلاح ومحاربة #الفساد، اعتقاداً من المتحدثين بأن هذا الخطاب لا يزال جذاباً ل#لبنانيين في الداخل، وللمجتمع الدولي ايضا، هذا المجتمع الذي اكتشف متأخراً ان الاموال التي خصصت للبنان في مؤتمرات باريس خصوصاً، وفي هبات وقروض ميسّرة لتحسين البنى التحتية وتحقيق اصلاح في كل المجالات، ضاعت في توظيفات عشوائية وتنفيعات حزبية سياسية طائفية، وايضا في جيوب سياسيين مع اولادهم واصهرتهم وابناء عمومهم. والشعب اللبناني اكتشف متأخراً انه كان ضحية عملية خداع اطاحت امواله، وودائعه في المصارف، ورغد عيشه، وربما مستقبله وسط ضبابية كبيرة تحوط بكل تلك الاموال وبمصير الودائع وبمستقبل العملة الوطنية.

الاصلاح الذي يعود مادة دسمة قبيل كل انتخابات، بات من الامور شبه المستحيلة في لبنان، لاكثر من سبب. اول الاسباب الطبقة السياسية المستمرة نفسها وهي التي افسدت وحمت الفساد. والثاني ان الشعب اللبناني بنسبة كبيرة بات ميّالاً او غارقاً في الفساد، وقد راقه الوضع لانه حقق مداخيل كبيرة مع انماط حياة تفوق قدرته على العيش من راتبه. والثالث ان الفساد صار ثقافة معششة في المؤسسات واجتثاثه بات عملية بالغة التعقيد.




واذا كانت نية الاصلاح متوافرة، للضرورة القصوى، وتحت ضغط المجتمع الدولي والمؤسسات المالية العالمية والدول الصديقة للبنان، فان المسار يبقى معقداً الا اذا اتى على حساب المواطن العادي، الأقل غنى، والذي لم يتمكن من تهريب امواله الى الخارج كما فعل سياسيون وامنيون ومصرفيون ورجال اعمال كبار، في حين يمنع والد من تحويل القسط المدرسي لوحيده. ويجري الحديث عن رفع الضرائب والرسوم، والاخطر عملية “هيركات” على الودائع المصادرة والمحجوزة في المصارف، كأن المواطن لا يزال قادراً على تحمل الاعباء والنفقات.

لكن السؤال الأبرز: من اين يبدأ الاصلاح؟

هل من قطاع الكهرباء الذي يسبب النزف الاكبر لخزينة الدولة من دون تحقيق اي تقدم في الانتاج والتوزيع والجباية منذ ثلاثين عاماً؟ ولماذا لم تنشأ بعد الهيئة الناظمة للكهرباء؟

هل من المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية التي تعاني الظروف الصعبة التي تحول دون تقدمها وتحسين مستواها، كما من التدخلات السياسية، والتوظيفات العشوائية؟

هل يبدأ الاصلاح في قانون الانتخابات الذي يقر كل 4 سنوات “لمرة واحدة فقط”؟. وهل يتم تقليص النواقص وامكانات الغش في تلك القوانين؟ وهل يقترع الشباب والمغتربون؟ وهل يتم الاقتراع في مكان الاقامة او الكترونياً؟

هل يتم الاصلاح في مؤسسات الدولة التي يتم التوظيف فيها غالبا من دون المرور بمجلس الخدمة المدنية، وغالباً بالواسطة، ولا يتمكن تفتيش مركزي او غيره من ملاحقة موظف محمي او معاقبته؟

والمهم هل يمكن الغاء الدولة داخل الدولة؟ وهل يمكن جمع السلاح غير الشرعي؟ وهل يمكن اقفال الحدود وطرق التهريب؟ وهل يمكن سؤال “حزب الله” او ضبط عملية ادخاله السلاح والمازوت وكل السلع من دون المرور بالجمارك او دفع الرسوم المتوجبة؟ وهل يمكن توقيف المسلحين ومطلقي النار علناً وامام الكاميرات؟ والذين يتقاتلون يوماً بعد اخر في مدن وقرى في الاطراف؟

والاهم هل يمكن اصلاح القضاء لجعله سلطة فوق السلطات لتحقيق العدالة من دون ضغوط السياسيين الذين باتوا يتقاسمون المواقع والوظائف القضائية؟ هل يمكن القضاء بلوغ حقيقة ما في قضية انفجار المرفأ، ومعه تفجير العاصمة وقتل ناسها وتدمير بيوتها ومؤسساتها، وبالتالي قطع شريانها الحياتي؟

هذا غيض من فيض التعقيدات، والملفات المطلوب اصلاحها، وغيرها الكثير الكثير بعدما دمرت الحرب كل مقومات البلد ولم يتمكن زمن السلم من تحقيق اي اصلاح فعلي اذ تسلم المتقاتلون السلطة فحولوا حروبهم من السلاح الفعلي الى تحويل المؤسسات متاريس في ما بينهم يعمل كل مسؤول على تحقيق انتصار فيها على حساب الاخرين، وعلى حساب المصلحة الوطنية.

أمام هذا الواقع تصبح عملية الاصلاح بالغة التعقيد، وليس هناك حتى اليوم ما يدعو الى التفاؤل الجدي.