حكومة ميقاتي ولبنان أمام فرصة أخيرة؟

سركيس نعوم – النهار

قيل الكثير عن المبادرة الفرنسيّة التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره في 4 آب 2020، كان أبرزه أنّها انتهت بل ماتت، وأنّ الأفرقاء ال#لبنانيّين الأساسيّين السبعة الذين التقاهم يومها في قصر الصنوبر حيث يُقيم سفيره في بيروت خدعوه. إذ عادوا عن التجاوب مع مضمونها وعن استعدادهم للعمل الجاد معاً من أجل تنفيذها وتصرَّفوا خلال 13 شهر تقريباً كأنّ شيئاً لم يتغيَّر في لبنان بعد كارثة المرفأ. فلم يُغيِّروا مواقفهم ولم يُعدِّلوها وأبقوا البلاد بلا حكومة طوال هذه المدّة رغم غرق اللبنانيّين في العتمة جرّاء انهيار الكهرباء وفي الفقر والحاجة الماسّة إلى الأدوية والمحروقات، وفي استحالة تأمين العيش في حدّه الأدنى نتيجة الفساد والاحتكار وانهيار العملة الوطنيّة والنظام المصرفي وقلّة مسؤوليّة مصرف لبنان ودوله الثلاث واحتجاز أموال المودعين في المصارف المُشارفة على الإفلاس رغم رفضها الاعتراف بذلك. وقيل أيضاً عن المبادرة نفسها أنّ الفريق اللبناني الأقوى الذي خصَّه ماكرون بثقة ربّما أكبر من ثقته بالأفرقاء الآخرين أملاً منه في أن يُسهِّل تأليف حكومة تُنفّذ الإصلاحات لم يكن على مستوى الثقة التي وضعت فيه، وبالتالي لم يسمح ذلك لفرنسا بتقديم ما يحتاج إليه من مساعدات، وبإحياء مؤتمر سيدر الذي قرَّر 11 مليار دولاراً أميركيّاً للبنان قبل ثلاث سنوات وتُقنع الدول والمنظّمات الدولية بتنفيذ بنوده بعدما كانت يأست من اللبنانيّين ومن رغبتهم في الإصلاح وإعادة بناء دولتهم. وقيل أخيراً أنّ ماكرون بترحيبه وبعد 13 شهراً بحكومة لبنانيّة غير مُطابقة للمواصفات التي وضعها لها يوم زار بيروت بعد الانفجار الهائل، أظهر أنّ ما يهمُّه هو إزالة انطباع بدأ يتكوَّن في بلاده عن فشل مبادرته اللبنانيّة تلافياً لانعكاس ذلك سلباً على حظوظه في معركة الانتخابات الرئاسيّة في بلاده التي ستجري الربيع المقبل والتي قرَّر خوضها للفوز بولاية ثانية في الإليزيه.




طبعاً لا يُمكن إنكار أنّ الأقوال والانطباعات المذكورة أعلاه فيها الكثير من الصحّة. لكن لا يُمكن في الوقت نفسه أن يتصرَّف ماكرون وهو رئيس دولة من العالم الأوَّل مثل رؤساء دول العالم الثالث الذين ينسون إلتزاماتهم ووعودهم بأنّ الرأي العام في دولهم لا يُحاسب بل ممنوع عليه أن يُحاسب وبالقانون. قد برهن ذلك (أي ماكرون) في لقائه مع رئيس حكومة لبنان #نجيب ميقاتي قبل أيّام قليلة وبرهنه لمواطنيه كما للبنانيّين وغيرهم. إذ أكَّد وأمام الإعلام أنّ المرحلة صعبة وأنّ وضع لبنان صعب لكنّه مُستعدّ للمساعدة إلى أقصى حدٍّ ممكن بعد التزام لبنان عبر حكومته وكلّ الأفرقاء تنفيذ كلّ ما طلبه منهم ويطلبه منهم يوميّاً المجتمع الدولي مثل الإصلاحات في كلّ المجالات، ومثل التفاوض فوراً مع صندوق النقد الدولي وإصلاح البُنى التحتيّة والاهتمام الجدّي بموضوع الطاقة وبمعالجة المشكلات الماليّة والمصرفيّة التي أفلست لبنان بقطاعاته كلّها ومؤسّساته ومنها مصارفه التي كانت يوماً قبلة العرب والأجانب والمغتربين اللبنانيّين. هذا التمسُّك من ماكرون بما كان طلبه سابقاً من لبنان أظهر أنّه يعرف اللبنانيّين الذين ظنّوا أنّهم ضحكوا عليه بقبولهم مبادرته وعدم تنفيذها، بل بتنفيذ عكسها أيّ بتأليف حكومة لا اختصاصيّين مُستقلّين فيها وتابعة لغالبيّة نيابيّة يقودها “حزب الله” ويتحكَّم فيها رئيس الجمهوريّة بمواقفه ساعة يريد مع “التيّار الوطني الحر” ورئيسه أي صهره النائب جبران باسيل. لعلَّ أفضل ما ظهر من كلام ماكرون أمام ميقاتي ووسائل الإعلام ومن دون أن يُعلنه هو أنّ عدم تنفيذ الإصلاحات وتوابعها وحواشيها لم يُقنع الجهات الداعمة للبنان التي أظهرت محبّتها له وكرمها على شعبه في “سيدر” كما في مؤتمرات دوليّة سابقة وأيضاً ثنائيّاً مع لبنان، بالثبات على التزامها تقديم مبالغ ضخمة من المال كي يُنفّذ الإصلاحات التي وعد بها، والتي لو نفّذها في حينه ما كان انهار تماماً. لكنّ قادته وزعمائه وحكّامه والمُمسكين به ظنّوا أنّهم كالعادة قادرون على “أكل الطعم و… على الصنارة” كما فعلوا دائماً في الماضي. طبعاً سيلوم كثيرون ميقاتي لأنّه ألَّف حكومة هو أقليّة فيها و”نادي رؤساء الحكومة السابقين” أقليّة فيها أيضاً، ونفوذ “أهل السُنّة” والمعارضين المسيحيّين قليل فيها أو معدوم، وذلك إشباعاً لرغبته في العودة مرّة ثالثة إلى السراي الحكوميّة. ولوم هؤلاء صحيح. لكنّهم ينسون أمراً واحداً هو أنّ هناك استحالة لتأليف الحكومة التي يحتاج إليها لبنان فعليّاً للخروج من جهنّم التي يعيش فيها منذ وصول الجنرال عون إلى رئاسة الجمهوريّة، والتي عاش سنوات طويلة على ضفافها جرّاء استهتار شعوبه وتمسُّك قادتها وزعمائها بـ”حلب الدولة” وبرفض إصلاحها وبغرقهم في الفساد بتشجيع من جهات خارجيّة لها دورٌ مباشر في البلاد. لكن ما عليهم ألّا ينسوه هو أنّ مقترحات ماكرون الإصلاحيّة المتنوّعة جديّة، وهذا ما يفرض إعطاء الفرصة لميقاتي وحكومته لتنفيذها ولكن من دون إعطائه شيكاً على بياض، وأيضاً لأنّ إفشال مبادرة ماكرون ستدفع العالم المهتمّ بلبنان إلى نسيانه وتركه لمصيره التعيس.

في هذا المجال على اللبنانيّين أن لا ينسوا أنّ علاقة فرنسا ماكرون مع الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة تحسَّنت بدليل توقيع الاثنتين عقداً بقيمة 27 مليار دولار أميركي لتطوير حقل أو حقول نفطيّة في الثانية. والجمهوريّة المذكورة صاحبة نفوذ مهمّ بل النفوذ الأكثر أهميّة في لبنان عبر نجاح ابنها “حزب الله” في الإمساك به دولة وشعوباً بعد نجاحه في طرد الاحتلال الإسرائيلي من لبنان، وفي مواجهته وبنجاح اسرائيل عام 2006، وفي التحوُّل لاعباً عسكريّاً مُهمّاً وحتّى سياسيّاً بالنيابة عن إيران في المنطقة. من شأن ذلك كلّه إزالة بعض العقبات من أمام الإصلاح وإن جزئيّاً، كما من أمام بدء شقّ طريق عودة لبنان إلى العافية. علماً أنّ ذلك قد يحتاج إلى سنوات عدّة. طبعاً لا يعني ذلك أنّ أمام ميقاتي وحكومته وقتاً طويلاً يُمضيانه في المماحكة وفي الصراع على المصالح الخاصّة والفئويّة وفي التكالب على الفساد وإهدار المال العام حتّى لا نقول سرقته. فالانتخابات النيابيّة يُفترض أن تجري بعد نحو نيّفٍ وسبعة أشهر وأمام ميقاتي ثلاثة أو أربعة أشهر فقط لتحقيق إنجازات سريعة تُهدّئ الناس (أدوية ومحروقات وكهرباء)، ولوضع برنامج إصلاحي حقيقي، ولبدء التفاوض حوله مع أطراف الداخل وصندوق النقد والبنك الدولي والدول الكبرى القادرة، وللفت انتباه الدول العربيّة إلى جديّة لبنان هذه المرّة وإلى حرصه على عدم متابعة إلحاق الأذى بها. ويُفترض أن تكون الانتخابات المُشار إليها استفتاءً شعبيّاً على الإصلاحات المُتنوّعة. وإذا لم يحصل ذلك فإنّ على ميقاتي وحكومته السلام وربّما على البلاد بشعوبها كلّها.