أربعون يوماً على محرقة التليل… الندوب في القلب والجسد

أسرار شبارو – النهار

أربعون يوماً مرّ على #محرقة التليل، التي خطفت 31 شهيداً وتركت آثارها على جسد 92 جريحاً… عائلات فُجعت بأحبابها، بعضها كتب له خسارة أكثر من حبيب، وكلّ ذلك بسبب أزمة البنزين التي لم تجد لها الدولة حلاّ حتّى الآن.




الوجع كبير، والحرقة في قلب أهالي الشهداء لم تهمد مع مرور الأيّام، بل على العكس، أجّجها الاشتياق إلى أبناء كانوا في أحضانهم قبل الكارثة، يعيشون وإيّاهم تفاصيل الحياة، وإذا بهم يختفون فجأة، بفعل انفجار رهيب، خطفهم بأبشع الطرق.

لحظات لن يقوى الدهر على محوها
الكلمات تعجز عن وصف الألم الذي يغرز كالسيف في قلب خالديّة شريتح، والدة الشهيدين خالد (20 سنة)، وجلال (16 سنة)، بغصّة ممزوجة بالدموع حاولت جاهدة التعبير عن مدى الألم الذي يختلج صدرها، قائلة لـ”النهار” “لا أستطيع التصديق أنّي لن أراهما بعد الآن، ولن أتمكّن من لمسهما واحتضانهما، بات التراب يفصل بيننا، يوميّاً أمضي ساعات في المقبرة، لكي أشعر أنّني بقربهما”، مستذكرة اليوم المشؤوم “حضّرت لهما العشاء، أكل جلال قبل أن يغادر المنزل إلى النادي الرياضيّ، أمّا خالد فأعددت له “سندويشاً” سمكاً وخرج بعدها، ودخلت لأخلد إلى النوم، بعدها استيقظت لأجد زوجي لا يزال جالساً على الكرسيّ، سألته لماذا لم ينم، فكان جوابه أنّه ينتظرهما كونهما توجّها لتعبئة البنزين، ويخشى عليهما من أيّ مكروه، ما هي إلّا دقائق حتّى رنّ هاتفه، وصلنا الخبر الفظيع من ابني عمّار، الذي كان متواجداً معهما، وناله من الحروق نصيب كبير، بأنّ انفجاراً وقع في المكان الذي تتمّ فيه تعبئة البنزين، وكأن الدنيا وقفت لحظتها، كلّ همي بات الاطمئنان على أولادي، لكن للأسف ها قد خسرت أصغرهما، فرحة البيت وضحكته”.

ليته كابوس وينتهي
لا يحتمل قلب خالديّة أن ترى صور ولديها، وقالت “أبكيهما طوال اليوم، وأرفض تكبير صورهما في المنزل، ولا أحتمل حتّى النظر اليها على الهاتف، إذ أشعر بأنّ روحي فارقت جسدي، وكلّما صادفت صورهما المعلّقة على يافطات في البلدة أو على زجاج السيارات (بجن)، أريدهما إلى جانبي، أريد أن يطرقا المنزل ويدخلان بضحكتيهما، فليخبرني أحد أنّ ما أمرّ به مجرد كابوس، وأنّنا سنلتقي عمّا قريب”.

قبل أن يفرح خالد بنجاحه في الامتحانات الرسميّة، غادر وشقيقه تاركَين والدتهما تكتوي بنار الفراق، هي خسرت كذلك صهرها الذي هاجمته النيران، قبل أن يبدأ رحلة علاجه في تركيا، التي انتهت سريعاً بعدما أطبق عينيه إلى الأبد متأثراً بحروقه، وختمت “كرمال البنزين راحوا ولادي”.

بانتظار الحقيقة والعدالة
لا تغيب صورتا جلال وخالد من ذاكرة والدهما معين، الذي قال لـ”النهار” ” قبل أن يتوجّها الى حتفهما، أعطيت جلال مئة ألفٍ لتعبئة البنزين، لينطلق مع شقيقيه عمار ومحمد في سيّارتي، حيث اعتقدت أن لا خطرَ عليهم، وبأنّ الجيش يدير العملية، أمّا خالد فتوجّه قبل ربع ساعة من الانفجار لمشاهدة ما يجري في التليل”.

العائلة تنتظر نتيجة التحقيقات التي كما قال، لا يعرف عنها أيّ تفاصيل، سوى توقيف ثلاثة أشخاص هم “صاحب الأرض وعمّه وصاحب المحروقات”، مشدّداً “نتمنّى أن نصل الى الحقيقة وتُطبّق العدالة”.

الوجع كبير
ندوب محرقة التليل ستبقى في قلوب أهالي الشهداء وعلى جسد الجرحى، منهم العسكريّ عبد الرحمن حاويك ابن بلدة الكويخات، الذي خسر شقيقه خالد (20 سنة كان يعمل مع والده في بيع الخردة) في الانفجار، وقال “ما حصل لا يصدّقه عقل، شعرت حينها أنّ الدنيا انتهت، وأنّ بيني وبين الموت لحظات، مشهد لا يمكن وصفه، النيران تشتعل في جسدي وفي كلّ مكان، جثث متفحّمة أرضاً، لا تزال الروح فيها، أنين وتكبيرات واستغاثة، شقيقي كان على خزّان الوقود عندما انفجر، ليطير عنه ومع ذلك منعتني النيران من البحث عنه، رميت نفسي أرضاً لتطفئني الرمال، ولأبدأ بعدها رحلة علاج لرجليّ ويدي اليسرى، وحتّى الآن لا زلت أضع لها دواء تجميل للتخفيف من الندوب”، خسارة عبد الرحمن (30 سنة) لشقيقه وابنيّ عمّته وابن خاله جعلته لا يبالي بوجع الجسد، وقال “وجع الروح أصعب بكثير”.

لم يقصد عبد الرحمن بلدة التليل لتعبئة البنزين، بل كما قال “تلقّيت اتّصالاً من والدي طلب منّي التوجه إلى هناك، واصطحاب شقيقي كونه علم بوقوع إشكالات، وما إن وصلت حتّى حلّت الكارثة”، معتبراً ما حصل “جريمة مفتعلة وليست قضاء وقدراً، ويجب وقف التحقيق العسكريّ، ونقله الى القضاء العدليّ كي يتمكّن المتضرّرون من أخذ حقوقهم بشكل كامل”.