«إعادة تدمير» فيلم وثائقي يضيء على عاصمة بلا وجه

يتشابك الجدل القانوني والمعماري والإجتماعي والثقافي مع الآخر الإستثماري ـ العقاري والتجاري فيما آلت إليه بيروت بعد الحرب الأهلية ومشروع «سوليدير».
كانت للسينما مشاركة في هذا النقاش، حيث ظهرت أفلام وثائقية عدّة تنقل صوراً بين قديم وحديث، وتبدي موقفاً مما آلت إليه الحال بعد محو وجه بيروت الحقيقي.
جديد هذه الأفلام «إعادة تدمير» الذي يشكّل مواجهة مباشرة مع تعبير «إعادة إعمار» الذي حط على كل شفة ولسان.
في هذا الفيلم الوثائقي ـ التسجيلي 42 دقيقة، ترك المخرج سيمون الهبر المساحة سخية لمشاهد من بيروت قبل الحرب الأهلية، وبعدها، وما تلاها مخططات وبناء. بعضها من الجو حيث زُنّرت عمارات باللون الأحمر للإشارة الى هذا الموقع أو ذاك من الأبنية، التي ارتبط اسمها بالمدينة في الخمسينيات والسيتنيات. أما السيرة المتميزة بالمعلومة التاريخية، والإرث المعماري والثقافي والإجتماعي، فتولاها ناس بيروت، والمحتفظون بنبضها الذي كان، واجيال جديدة، إلى جانب مختصين. «إعادة تدمير» كشريط سينمائي لفت منذ البداية إلى الوجه الثقافي والفني الحقيقي الذي كان للمدينة، والذي تمثّل بـ»التياترو» الكبير. هذا المكان التاريخي الجميل نجا من تبديل هويته، بعد أن كان مرشحاً للتحول إلى مطاعم فخمة في عقل سوليدير.
دار جدل إعلامي ومعماري حوله مما أرجأ أي قرار بشأنه من قبل سوليدير. إنحاز كثيرون لأن يبقى مسرحاً فخماً كما هو، ومعلماً من تاريخ المدينة. توقفت الصورة عند التياترو الكبير وعلا تصفيق حاد من جمهور غير مرئي، تماماً كما في نهاية كل فن جميل نتابعه.
والختام كان مع جملة مختصرة ارتبطت بسيرة ذكرها الوثائقي عن بيروت التي كانت سنة 1821 هانئة داخل سورها، وكان عدد سكانها خمسة آلاف نسمة. إذ نسمع صوتاً نسائياً يقول: «من يُدمّر بيروت الآتي من خلف الأسوار».
خلاصة تحتمل الأخذ والرد، لو لم يُصرَّح في مطلع الفيلم أننا حيال رواية من وحي الخيال. معروف أن بيروت هي عاصمة الوطن.
يَذكر الوثائقي أن 90 في المئة من بيروت البلد تمّ تدميرها في مشروع إعادة البناء، ويتوقف عند مبنى الريفولي كشاهد. بناء كان قائماً لجهة البحر مقابل تمثال الشهداء، وعنه تحدّثت الصحافة المحلية والعالمية. نُسف بالديناميت في المرة الأولى، ركع ولم يسقط، وفي الثانية لم يتكوم حتى على نفسه، وأتت عليه الثالثة بدعم من 700 كيلوغرام من التي أن تي.
الصوت الأول الذي تسلل إلى اسماعنا بصدق ومحبة في هذا الشريط كان لرجل بيروتي الهوية والمولد والإقامة. سلاحه ذكريات من عمر الطفولة والشباب، حين كان يرافق والده «آخر افندية زمانو» إلى مكتبه مقابل التياترو الكبير الذي شيد سنة 1930.
قال: «لما ننزل من بيتنا من البسطا التحتا ع المْدينة» مشدّداً على تسكين حرف الميم، والوفاء لبيروت العتيقة التي كانت تنبض بالحياة.
أصوات أخرى تحدثت عن العمارات «المرعبة» التي نمت في بيروت وبقيت فارغة «بنينا والبنيان بقي فاضي».
ذُكرت المناطق المحيطة ببيروت «البلد» كمار مخايل والجميزة. قرأ ساكنوها أن هجوم المطاعم والبارات إلى مناطقهم التي كانت هادئة وساكنة فيما مضى، ناتج من مخططات غير معلنة لتهجيرهم، يقودها من يعرفون بال»مطورين العقاريين».
لفت أحدهم لبعض الأبنية التي نشأت حديثاً داخل الحي، فخلقت غيتو طبقي غريب عنه.
في مار مخايل والجميزة تضاعف الضغط على السكان بهدف ترحيلهم بعد تفجير 4 آب، وازدادت زيارات السماسرة لهم. هؤلاء وصفوا قانون البناء بـ»المجرم والمبني على مصلحة المطورين العقاريين وليس العامة».
«نصنع مدننا خراباً فوق آخر» جملة وردت في هذا الشريط السينمائي الذي انحاز للذاكرة والناس بمواجهة المضاربات والرأسمال العقاري الذي يفهم لغة البلدوزر. أما الصورة الوحيدة الحديثة التي ظهرت على مراحل، فهي لفتاة تحاول كتابة فكرة على الجدران فقرأنا «بنص البلد». محاولاتها بلغت ذروتها عندما خطت يدها «هذا ما فعلته دولتي بي» مقابل دمار 4 آب/أغسطس.
وقّع هذا الوثائقي المخرج سيمون الهبر، وتعاون في كتابته مع بترا سرحان. فيما تولّى الإنتاج جمعية بيروت دي سي والمفكرة القانونية.