الليرة والدولار اختفيا في لبنان.. هذا زمن البيتكوين

كان تاجر العملات المشفرة اللبناني ماريو عوض يدقق في تفاصيل صفقة بقيمة مليوني دولار مع عميل رفيع المستوى، تشمل إقامة في فندق ووعد بقضاء ليلة رائعة.

وكشف عوض خلال مكالمات هاتفية جمعته بمؤسسة تومسون رويترز من شقته الفخمة المكونة من طابقين في بلدة جبيل الساحلية شمالي بيروت “لدي ضباط أمن وسياسيون وشخصيات إعلامية، والجميع يشتري العملات المشفرة (…) وعلى نحو متزايد، يحاول الشخص العادي الخروج من البنوك المنهارة وتقليص خسائره أيضا”.




ويجلس عوض، الذي تزيّن جدار غرفة معيشته بصورة لعملة البيتكوين وصورة لمريم العذراء وملصق لزعيم المخدرات الكولومبي بابلو إسكوبار، على قمة سوق العملات المشفرة المزدهر الذي يغذيه انهيار النظام المالي الذي يشهده لبنان منذ 2019. وقد تراجعت الليرة اللبنانية، التي كانت مرتبطة بالدولار لأكثر من عقدين، من 1500 للدولار إلى ما يقرب من 15 ألفا في السوق الموازية بحلول سبتمبر 2021.

ويضطر اللبنانيون إلى سحب أموالهم بالليرة مقابل خسارة فادحة أو سحب شيكات مقومة بالدولار لبيعها بعد ذلك بجزء بسيط من سعرها (حاليا حوالي 20 في المئة).

وقدرت خطة التعافي التي اقترحتها الحكومة على صندوق النقد الدولي في 2020 خسائر النظام المالي اللبناني بنحو 83 مليار دولار.

ويتجه الشباب البارعون في مجال التكنولوجيا في الدولة المفلسة إلى العملات المشفرة بشكل متزايد لحماية أنفسهم من انخفاض قيمة العملة، والحصول على الأموال داخل البلاد وخارجها، ومحاولة تعويض الخسائر التي تكبدوها.

وقال أحمد، وهو شاب متحمّس للعملات المشفرة “من المضحك أن يقول الناس إن العملة المشفرة ليست حقيقية لأن ما اكتشفناه في لبنان هو أن هذه العملة الرقمية أكثر واقعية بمئة مرة من العملات المعدنية العالقة في البنك”.

سوق النظير للنظير

اللبنانيون يقولون وهم يشاهدون معدل البطالة يرتفع، إن الأمر يستحق بذل أي جهد للحصول على العملة المشفرة

أوضح أحمد الذي يعمل في مجال النفط والغاز في الخليج العربي وطلب استخدام اسمه فقط، أنه كان لديه عشرات الآلاف من الدولارات في مدخرات البنك عندما اندلعت الأزمة.

وسحب الشاب البالغ من العمر 31 سنة نصيب الأسد في يونيو 2020، وخسر حوالي 60 في المئة من مدخراته في هذه العملية. وساعده صديقه في الانضمام إلى واحدة من العشرات من مجموعات تداول العملات المشفرة على تطبيقات مثل واتساب وتليغرام حيث يتبادل الأعضاء العملات الرقمية اللامركزية في عمليات التداول الشخصية، والمعروفة باسم “النظير للنظير”.

وبعد إخراج أمواله من البنك نقدا، سلّم أحمد رزما منها إلى تاجر تشفير أرسل المبلغ المقابل من العملة المشفرة إلى محفظة الشاب الرقمية، مقابل اقتطاع نسبة تتراوح بين 1 و3 في المئة.

وتتراوح غالبية المعاملات التي تتم في غرف الدردشة المشفرة في لبنان بين بضع مئات وبضعة آلاف من الدولارات مما يسمى بالعملات المستقرة مثل التيثر، والتي تحوم قيمها دائما حول دولار واحد لكل وحدة. ويمكن تداولها بعد ذلك مقابل عملات مشفرة أخرى مثل البيتكوين الأكثر شهرة، والتي صمّمت في أعقاب الأزمة المالية التي ضربت العالم في 2008 كبديل للعملات الصادرة عن البنك المركزي.

وانتشر في السنوات الأخيرة التداول بعملة البيتكوين الافتراضية حيث يتم التعامل بها عبر شبكة الإنترنت، كما يمكن استبدالها بالعملات الرسمية كالدولار واليورو.

وتمتاز البيتكوين بأن التعامل بها يكون عبر توقيع إلكتروني سري يسهل حركة تداول المستخدمين للعملة إلكترونيا دون الحاجة إلى البنوك كوسيط، كما أنها عملة مشفرة، أي أن المعاملات التجارية التي تتم بها لا يمكن تتبعها، أو الاطلاع على مستخدميها.

ولم يستجب متحدث باسم مصرف لبنان المركزي لطلبات متكررة للتعليق على حجم سوق العملات المشفرة في لبنان أو قانونية تداول العملات المشفرة في البلاد.

وأكد ستة من تجار العملات المشفرة الذين تحدثوا إلى مؤسسة تومسون رويترز تداول ما قيمته ملايين من الدولارات من العملات المشفرة في لبنان كل يوم. وفي نفس الفترة التي شهدت فيها الليرة اللبنانية سقوطا حرا، ارتفعت العملات المشفرة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

ويُعتبر الفساد المنهجي وعقود من سوء إدارة النخبة الحاكمة سبب الأزمة الاقتصادية في البلاد، التي يُرجح أن تكون من بين الأسوأ في العالم منذ خمسينات القرن التاسع عشر، وفقا لتقرير البنك الدولي الصادر في يونيو.

وقال جاد وهو من مستخدمي العملة المشفرة “كان مطورو البيتكوين يفكرون بالتأكيد في الأشياء التي حدثت هنا بالضبط (…) في المؤسسات الفاسدة ذات السياسات النقدية والمالية السيئة التي أدت إلى انخفاض قيمة العملات”.

وأشار المنتج الموسيقي البالغ من العمر 34 عاما والمقيم في بيروت إلى أنه اشترى عملات مشفرة بمعظم مدخراته.

وأضاف “أنا شخصيا أؤيد الثورة (…) يمكنني أن أكون وصيا على أموالي وأضعها في جيبي على هاتفي”.

ولفت علي نورالدين، الخبير الاقتصادي اللبناني في منصة الأخبار المستقلة “ميغافون”، إلى أن الكثيرين ممن يدخلون تجارة العملات الرقمية في لبنان مدفوعون بمعارضة أيديولوجية لنظام مصرفي لا يتمتع بثقة أحد ليخزن أمواله فيه.

لكنه أشار إلى أن العملة المشفرة لم تظهر بعد نفسها على أنها بديل طويل الأجل للأموال المدعومة من الدولة في لبنان لأن معظم الشركات لا تقبلها ولا يجعلها تقلّبها خيارا موثوقا من حيث القيمة.

وتابع أنها “لا تزال إلى حد كبير سلعة للمضاربة بين أولئك الذين تدفعهم نزعة المغامرة الذين يعتقدون أنهم يستطيعون تحقيق ربح في ستة أشهر أو نحو ذلك”.

صحراء تنظيمية

بينما تزداد شعبية العملة المشفرة بين اللبنانيين فإنها تبقى في منطقة رمادية قانونيّا.

وقال لبناني يدير صفحة “كريبتوليرة” على تويتر، طلب عدم الكشف عن هويته “إنها صحراء تنظيمية. وبالنسبة إلى الكثيرين، يُنظر إلى هذا على أنه أمر جيد لأننا لا نعيش في بلد تمنحنا فيه اللوائح والسياسيون الأمل (…) لكنه يضر باعتماد (العملة المشفرة) على نطاق واسع”.

وبالإضافة إلى تداول العملات المشفرة، يتوجه العديد من اللبنانيين الآن نحو “التعدين”. وفي بلد يعاني من انقطاع التيار الكهربائي المتواصل، يمكن لهؤلاء العمل بفضل دعم الوقود الثقيل الذي يجعل كهرباء لبنان من الأرخص في العالم.

وأفاد أحد هؤلاء الشباب، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته “هناك أشخاص اشتروا ما يكفي من الديزل للعمل لأشهر بأسعار منخفضة للغاية ومدعومة”.

ويقول هؤلاء اللبنانيون بينما يشاهدون معدل البطالة في البلاد يرتفع، إن الأمر يستحق بذل أي جهد للحصول على العملة المشفرة لأنها توفر مصدر دخل سهلا وثابتا.

وواصل الرجل “حتى لو كنت تجني 10 دولارات في اليوم باستخدام جهاز كمبيوتر عادي، فهذا الآن يساوي عدة أضعاف الحد الأدنى للرواتب”.

ويؤكد أولئك الذين يعتبرون روّادا مع ازدهار العملة المشفرة في لبنان أن هذه الأموال لن تودع في أي بنك لبناني.

وقال جاد “بعد ما مررنا به، لم أعد أضع سنتا واحدا في بنك لبناني. أنت بحاجة إلى بديل. ويعدّ فتح حساب تشفير أمرا سهلا للغاية”.