حازم الأمين

“لبنانيون ولبنانيات في حزب” – حازم الأمين – الحرة

لم يسبق أن تمكن حزب الله من لبنان بقدر تمكنه منه اليوم.. لم يعد سلطة الظل، بل هو اليوم في الضوء والظل على السواء. له في الحكومة ما يفوق عدد وزرائها وله أكثرية في المجلس النيابي، ناهيك عن انتشاره أفقياً في الإدارة وفي الأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية.

هذا كله ليس جديداً، لكن ثمة ومضات تشعرنا نحن في بيروت أن علينا أن نكف عن الاشاحة بأنظارنا عن هذه الحقيقة. فالمجلس النيابي لم يتمكن من أن يعقد جلسة الثقة بالحكومة إلا بعد أن أحضر حزب الله مولدات كهربائية وأمن لها نفطاً ايرانياً!




ووقف نائب من الحزب أمام قاعة الأونيسكو، حيث ستعقد الجلسة وشرح للبنانيين التفاصيل اللوجستية التي استغرقتها خطوة الحزب إنارة جلسة مجلس النواب والحكومة التي للحزب فيهما الغالبية. خطوة النائب تعكس رغبة الحزب بالخروج من الظل إلى الضوء في إدارته للدولة.

وفي اليوم الذي أعقب جلسة الثقة غرد صحفي يحظى بمصداقية أن قاضي التحقيق في قضية انفجار المرفأ طارق البيطار تلقى تهديداً من المسؤول الأبرز في حزب الله وفيق صفا مفاده أن صدر الحزب قد ضاق به وأنه سـ”يقبعه” من منصبه.

القاضي أكد الخبر، وحزب الله لم ينفه! وكلنا يعرف طبعاً حنق حزب الله على القاضي بيطار، ومن مواصلته استدعاءات المسؤولين من نواب ووزراء إلى التحقيق في هذا الملف.

أما استيراد المازوت الإيراني عبر المعابر الرسمية، ومن دون علم الحكومة على ما صرح رئيسها “الطازج” نجيب ميقاتي، فهذا مؤشر على أننا صرنا رعايا الحزب، وأن الاسم الذي اختاره الوزير السابق شربل نحاس لحزبه، أي “مواطنون ومواطنات في دولة” يجب تعديله ليصير “اخوان وأخوات في حزب”، والسخرية هنا لا يفصل بينها وبين الحقيقة أي مبالغة.

لقد استورد الحزب المازوت الإيراني وحدد وجهة توزيعه وتسعيره وأضاء به الحكومة والبرلمان، وكل هذا من خارج هياكل الدولة السياسية والإدارية والضريبية! فهل من جديد حين نقول إننا “اخوان وأخوات في حزب”.

لكن هذا الكلام هو نوع من النكران أيضاً، ذاك أنه ينطوي على رفض ومقاومة ضمنية لهذه الحقيقة، وهذا ربما ما علينا أن نقلع عنه، وأن ننتقل من الرفض إلى القبول السلبي على نحو ما فعلت أمنا الحنون فرنسا عندما تحولت إلى عرابة استيلاء حزب الله على لبنان.

فباريس لا تحب حزب الله، على ما سمعنا منها لسنوات وسنوات، إلا أنها تملك من “الواقعية” ما يجعلها تسلم بطغيانه على بلدنا، لا سيما وأنه بلده أيضاً، على ما قالت لنا باريس ذات يوم ليس ببعيد! وقالت باريس أيضاً أننا نحن من انتخب حزب الله وعلينا أن نتحمل تبعات أفعالنا.

نعم الحزب تنشق أنفاساً دولية عززت من انبثاثه في شراييننا، فانكفاء واشنطن وتصدر باريس ساعداه، إلا أن ذلك يدفع إلى حيرة موازية تجعل من استقرار السلطة له أمراً غير منسجم مع طبيعة الأشياء. فمثلما نمارس نحن نكراناً لحقيقة أن الحزب صار مبثوثاً في دولتنا، تمارس باريس نكراناً موازياً لحقيقة أنها بصدد تعويم سلطة لا تنسجم مع الحد الأدنى من معاييرها!

فكيف يمكن قياس خطوة الحزب تهديد القاضي بيطار في حسابات التعويم هذه؟ قد تقيم باريس علاقة مع النظام في إيران، إلا أنها في لبنان تتولى تعويم سلطة، وليس نظاماً. سلطة قد تهدد وقد تنتهك القوانين حين تستورد نفطاً معاقباً دولياً!

أما أن تتحول هذه السلطة إلى نظام حكم، على نحو ما هي السلطة في إيران نظام حكم، فلهذا مسار آخر قد نصير بصدده إلا أننا اليوم غير قريبين منه.

يبقى أننا علينا أن نبدأ بتكييف أنفسنا على ما نحن فيه من واقع. الوقود هبة حزب الله لنا، على رغم أنه لم يصلنا ولن يصلنا. والحزب كسر الحصار على رغم أننا غير محاصرين. ونحن نعيش في زمن الانتصارات على رغم أننا جائعون ومحتضرون على أبواب المستشفيات.

يجب أن ننتقل بهذه الحقائق من سوية الذهول إلى سوية القبول. الانتصارات يجب أن تصير مشهداً عادياً لا يستدرج خلافاً ولا نقاشاً، والمازوت الإيراني الذي لن يصلنا يجب ألا يثير لدينا تساؤلات، وعلينا أيضاً أن نهضم كل مظاهر الانهيار بوصفها جزءاً من طبيعة الأشياء ومن عادياتها. على هذا النحو يجري إعدادنا لما هو قادم من أيام.. وبرعاية فرنسية.