فرنسا ومحاولات استعادة “الكبرياء الإمبراطوري”.. لماذا تفشل باريس في كل مرة بالتصرف كقوة مستقلة؟

كان هذا الأسبوع حافلاً بالدراما الجيوسياسية في فرنسا بعد إلغاء أستراليا لصفقة الغواصات معها، ورد فعلها الساخط على تجاوز الولايات المتحدة لها، غير أن هذه الأحداث ترمز إلى معضلة لطالما عانتها الدولة الفرنسية، التي كانت قوة عظمى ذات يوم، طيلة عقود: وهي كيفية البرهنة على كونها “قوة مستقلة”، وهو ما يعتبره القادة الفرنسيون مثل ماكرون أمراً ضرورياً، مع الحفاظ على التحالفات التي يدركون أن فرنسا لا تستطيع الاستغناء عنها، كما تقول صحيفة The New York Times الأمريكية.

فرنسا ومحاولات “استعادة الكبرياء الإمبراطوري”

تقول “نيويورك تايمز” إن محاولات التوفيق بين طرفي هذه المعضلة: الاستقلال من جهةٍ، والاعتماد على الحلفاء من جهة أخرى، أدت إلى مراوحة الاستراتيجية الفرنسية بين التفعيل المحفِّز والارتباك المعطِّل منذ الحرب العالمية الثانية. ومع أن الأمريكيين كثيراً ما يرون أن التصلُّب الفرنسي يدفعه نوع من الغرور أو الرغبة في “استعادة الكبرياء الإمبراطوري” الضائع منذ زمن طويل، فإن القادة الفرنسيين يدركون تمام الإدراك أنهم يقودون قوة متوسطة الحجم في عالم تهيمن عليه قوى أكبر وأشد بأساً.




جاءت صفقة الغواصات الفرنسية مع أستراليا في سياق سلسلةٍ طويلة من التحركات المرسومة بدقة لإبراز القوة الفرنسية، واستعادة قدرة البلاد على توجيه مصيرها، وفي الوقت نفسه الاصطفاف إلى جانب الحلفاء الذين تعرف باريس أنها لا تستطيع الاستغناء عن مساعدتهم لها، لكن، وللمفارقة، كان الهدف دائماً أن تبرز فرنسا بوصفها قوة مستقلة ومنفردة بقرارها في النهاية.

لكن خسارة الصفقة سلَّطت الضوء على صعوبة الجمع بين الاثنين، وكذلك رد فعل فرنسا. كان الهدف من استدعاء فرنسا سفيرها في واشنطن إظهارَ أنها لا تخشى الوقوف حتى في وجه الحلفاء. لكن في الوقت نفسه، وبينما كانت تسعى للحصول على دعم أوروبي ضد “الخيانة الأمريكية المتصورة”، كشفت باريس بوضوح عن شعورها بأنها مضطرة للبحث دائماً عن دعم خارجي، حتى في هذا الشأن.

يقول برونو ترتريس، نائب مدير “مؤسسة البحوث الاستراتيجية” في باريس، للصحيفة الأمريكية: “كان الاستقلال للفرنسيين يعني دائماً الاستقلالية التامة في السيادة والقرار. لكن واقع الأمر أن هذا الاستقلال لم يكن في أي وقت استقلالاً بنسبة 100%. يمكن القول إنه استقلال بنسبة 99%”، وأضاف: يجلب هذا [القدر من التفاوت بين التصور والواقع] “توترات جوهرية” لا يمكن حسمها بقدر ما يمكن إدارتها- حسب تعبيره.

فرنسا أرادت دوماً خطاً مستقلاً لنفسها

تركت الحرب العالمية الثانية وعواقبها أوروبا منقسمةً بين القوات الأمريكية والسوفيتية، وحازت واشنطن القدرة على فرض ضغوطها على حلفائها الذين باتوا بعد الحرب حلفاء صغاراً في تحالف كبير، بل إنها كانت تحتل بعض هذه الدول  احتلالاً عسكرياً مباشراً. كلُّ ذلك بثَّ لدى الفرنسيين قناعة بأن قبول ذلك المستقبل الذي تصبح فيه فرنسا عضواً بين عديدٍ من الأعضاء، مثل بريطانيا وألمانيا الغربية، في تحالف بقيادة الولايات المتحدة، لا يعني شيئاً سوى الخضوع للولايات المتحدة.

ثم جاء العصر النووي، وتهديد القدرة على الإبادة الشاملة، ليُزيد الفرنسيين قناعةً بأنه يتعين عليهم تأمين طريقهم الخاص في هذا العالم، حتى لو أزعج ذلك أحياناً الحلفاء الذين يعرف الفرنسيون أنهم في حاجة إلى مساعدتهم للحفاظ على ما لديهم من استقلال.

وهكذا، سعى شارل ديغول، الذي تولى الرئاسة من عام 1959 إلى عام 1969، للحصول على مساعدة واشنطن في توحيد أوروبا الغربية ضد السوفيت، لكنه في الوقت نفسه عمل أيضاً على الانتقاص من نفوذ الولايات المتحدة عند كل منعطف، والدفع بإبراز القيادة الفرنسية بدلاً عنها.

وفي سياق ذلك، أشرف ديغول على تحويل فرنسا إلى قوة نووية، وطردَ القوات الأمريكية من هناك، وأعلن انسحابه من الناتو، بل وحاول إقناع ألمانيا الغربية بفك روابطها مع هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

في عام 1967، أمر ديغول بإعداد تقرير يضع استراتيجية نووية للبلاد، والتي سُمّيت: استراتيجية “الدفاع في جميع الاتجاهات” وقدرة “الوصول العسكري إلى أي مكان في العالم”. وكانت الاستراتيجية بياناً جريئاً عن طموح فرنسا العالمي، بالاستناد إلى قوة الردع النووية التي حازتها فرنسا وطوّرتها بطريقة عصامية تماماً.

لكن على مستوى الواقع العملي، وإن كان الارتكان الفرنسي إلى القوة النووية موقفاً “وطنياً” مصمماً لردع السوفيت دون مساعدة خارجية، فإنه  بحسب ما يقول الباحث الأكاديمي فيليب جوردون: “أقرَّ ضمناً، وعلى مضض، بعلاقة الاعتماد القائمة بين قوة الردع الأمريكية وقوة الردع الفرنسية”.

صُمِّمت الاستراتيجية الخاصة بالضربات النووية الفرنسية بحيث تكون داعمةً للتدخل الأمريكي المتوقع، وإذا لزم الأمر، دفع الأمريكيين دفعاً إلى التصعيد- وهو ملخص مناسب لمعضلة الطمع الفرنسي في دعم الأمريكيين، والعمل بمعزل عنهم أو معهم، لكن على مضض، في الوقت نفسه.

استعراض فرنسا لقوتها العسكرية

مع انتهاء عصر المواجهات النووية، تحوَّلت فرنسا إلى أدوات أكثر عصرية. وبدأت تستند إلى مقعدها الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتقديم نفسها في هيئة الممثل الدبلوماسي للقوى الكبرى في العالم. فهي ترسل قوات حفظ السلام إلى مناطق الصراع العالمية، وتبيع أسلحة متطورة في الخارج.

ويقول فيبين نارانغ، أستاذ العلوم السياسية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “إن هذا الخط المستقل، الخط الذي وضعه شارل ديغول وأدى إلى استقلال فرنسا بأسلحتها النووية، كان حاضراً في المجال التجاري أيضاً”.

وأضاف نارانغ: “بصمات فرنسا كانت منتشرة في كل بلد شهد توترات خلال الحرب الباردة”، في إشارة إلى الدول التي حصلت على السلاح النووي بعد ذلك بمساعدة فرنسية، مثل إسرائيل والهند.

تقول نيويورك تايمز إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سعى إلى اتباع نهجٍ أكثر تعاوناً مع غيره من النهج الذي اتبعه ديغول. ومع أنه كان أحد الداعمين للاتفاق التجاري، الذي أغضب الولايات المتحدة، ووقّعه الاتحاد الأوروبي مع الصين، فإنه حرص على التماشي مع الضغط الذي قادته الولايات المتحدة لاحتواء الصعود الصيني، ودعم الضغط من أجل ذلك داخل أوروبا، وعمل على تزويد البلدان ذات التفكير المماثل لهذا الاتجاه في الخارج بالأسلحة والمعدات التي ينتجها.

يقول برونو ترتريس، من معهد البحوث الاستراتيجية الفرنسي: “لقد حاولت الحكومة الفرنسية، من وجهة نظرها، أن تطوَّر عن طريق صفقة الغواصات مساهمةً مستقلة، لكن غير معزولة [عن المسار الأمريكي لاحتواء الصين] للأمن في المحيطين الهندي والهادئ. وكان من المفترض أن تكون هذه مساهمة إيجابية لدولتي فرنسا وأستراليا متوسطتي القوة في خدمة برنامجٍ مشترك”.

لكن ماكرون لم يكتف بذلك، بل أصر على تعميق هذا المسار المستقل، داعياً الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، إلى الاستقلال بتولي المهام العسكرية الإقليمية عن حلف الناتو الذي تهيمن عليه واشنطن.

استعصاء الخروج من عباءة واشنطن

وتقول الصحيفة الأمريكية: “قد يبدو استدعاء السفير الفرنسي مجرد نوبة غضب دبلوماسية، لكن واقع الأمر أنها تتبع نفس الاستراتيجية الفرنسية طويلة الأمد التي كان يتبعها ديغول، وهي التشديد على المصالح المستقلة لفرنسا عن واشنطن وانتهاز الفرص للصراخ علناً في وجه الأمريكيين”.

سعى جان إيف لودريان، وزير الخارجية الفرنسي، إلى حشد ردود فعل أوسع، وقال لمحطة إخبارية فرنسية إن الدول الأوروبية يجب أن تتحد للدفاع عن مصالحها الجماعية، حتى من الأمريكيين. لكن ماكرون يكافح حتى الآن ليرد بصفعة أقوى على الأمريكيين .

كتب الصحفي البريطاني بن جودا تغريدةً يقول فيها إن “فرنسا تريد أن تتحول الدول الأوروبية إلى رؤية تعتبر فيها فرنسا حامية لها، بديلاً عن الولايات المتحدة”.

لكن هذه المهمة معقدة مثل دوافع المسار المستقل والطموحات الفرنسية العالمية التي تحركها في المقام الأول. فالإصرار الفرنسي على التقارب من روسيا بوصفها قوة عظمى وعضواً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، على سبيل المثال، يثير قلق العديد من الدول الأوروبية ويقوّض آمال الوحدة الأوروبية.

وأقر ترتريس بأن “هذا التناقض يصعب للغاية حله”، وهو ما بدا واضحاً في استجابة أوروبا الخافتة حتى الآن للنداءات الفرنسية من أجل الوحدة.

تقول نيويورك تايمز، في النهاية، إن المعاناة من أجل إدارة هذه التناقضات ليست بالأمر الجديد، سواء لباريس أو واشنطن. لكن إدارة هذا التناقض دون انفجار لن تكون ممكنة ما لم “يبذل كل طرف منهما قصارى جهده لطمأنة الطرف الآخر” كما يقول الباحث الأكاديمي فيليب جوردون، وهو شخص يدرك جيداً مدى صعوبة ذلك في ظل منصبه الحالي بوصفه أحد مستشاري الأمن القومي في البيت الأبيض.