لا إشارة للاجئين.. هل تمهد صفقة الغاز اللبنانية للتطبيع العربي مع الأسد وإنهاء عزلته الدولية؟

زاد الحديث عن التطبيع العربي مع الأسد بعد تحركات سعودية أخيرة، وصفقة نقل الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا، إضافة إلى المواقف الأردنية، فهل يحدث تطبيع عربي مع سوريا، وهل يقود هذا التطبيع إلى إنهاء عزلة الأسد الدولية، وكيف سينعكس ذلك على اللاجئين السوريين.

وثمّة من يرى أن الحرب في سوريا حُسمت عسكرياً لصالح قوات النظام والقوات الحليفة لها منذ عام 2018، بخروج مقاتلي المعارضة المسلحة من محيط العاصمة ومحافظة درعا القريبة منها، وأن فرص إسقاط النظام عسكرياً باتت “معدومة” تماماً.




وبدفع من حكومات عربية، يدور نقاش عميق في أوساط جامعة الدول العربية حول إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، وإعادة مقعد سوريا المعلّق في الجامعة، حسبما ورد في تقرير لوكالة الأناضول.

ومن الواضح أن النقاش العربي حول عودة سوريا للجامعة العربية يتركز على تخفيف النفوذ الإيراني في دمشق، أما مسألة وضع المعارضة أو حقوق الشعب السوري أو إجراء بعض الإصلاحات الدستورية- وهي الشروط السابقة التي سبق أن تحدث عنها مسؤولو الجامعة العربية- ففي الأغلب تراجعت أهميتها، حتى لو كانت مازالت مثارة على المستوى الشكلي، خاصة أن الدول العربية الرئيسية المعنية بالأزمة السورية مثل السعودية ومصر هي معادية لأي إصلاحات ديمقراطية عامة، كما أن أولوية محاربة التوجه الإسلامي للمعارضة السورية وعلاقتها مع تركيا باتت أهم لديها من حقيقة أن نظام الأسد هو نظام طائفي يستند إلى الأقلية العلوية لاضطهاد الأغلبية السنية في سوريا.

ولكن اللافت في التطورات الأخيرة، المتعلقة بسوريا، أنها لا تؤشر إلى توجه لإنهاء عزلتها العربية، بل هناك مؤشرات على توجه قد يكون أخف لإنهاء عزلة الأسد الدولية أيضاً، حسبما يظهر من صفقة نقل الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا والأردن التي هي فكرة أمريكية.

جدل في الجامعة العربية

وعلقت الجامعة نشاط سوريا، في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2011، ودعت إلى سحب السفراء العرب من دمشق، إلى حين تنفيذ النظام كامل تعهداته في توفير الحماية للمدنيين.

وبعد مرور عشر سنوات من الحرب في سوريا، لا يزال البلد يعاني من عدم استقرار داخلي وتراجع المستوى المعيشي وأزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، مع عزلة سياسية حاول النظام الخروج منها عبر بوابات عديدة، مثل العراق وروسيا وإيران.

وقدمت دول عربية، في بداية الصراع السوري، الكثير من الدعم السياسي والمالي والتسليحي لفصائل المعارضة السورية منذ أواخر 2011، بعد أشهر من توجه الثورة السورية إلى الخيار المسلح لمواجهة القمع من طرف القوات الأمنية وحملات القتل والاعتقالات.

وكان للعمليات العسكرية في سوريا تداعيات مباشرة على أمن واستقرار دول الجوار السوري، لبنان والعراق والأردن وتركيا.

وسبق أن نفى مسؤولو الجامعة العربية، وجود نية قريبة لإعادة نشاط سوريا في الجامعة أو حضورها قريباً للقمة، وكان من الواضح من تصريحاتهم أن هناك اعتراضاً سعودياً إضافة إلى الاعتراض القطري.

في كل الأحوال، لم تكن سوريا ونظام الحكم فيها معزولة بالكامل سياسياً واقتصادياً، حتى مع قرار الجامعة تعليق عضوية سوريا، حيث وقفت معظم الدول العربية في شمال إفريقيا والعراق وسلطنة عمان ودول أخرى، بينها مصر، على الحياد في الصراع الداخلي، مع استمرار قنوات التواصل مع النظام.

وأكد التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية (منذ 2015)، وقبله الدعم الإيراني بعشرات الآلاف من مقاتلي المجموعات الشيعية المسلحة اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بقاء نظام بشار الأسد في الحكم وتراجع احتمالات إسقاطه عسكرياً.

وعلى ما يبدو، فإن الكثير من الدول العربية أدركت في وقت مبكر هذه الحقيقة، ورأت أن من مصلحتها إعادة تطبيع علاقاتها مع النظام الحاكم في دمشق.

لكن التحول الأكبر في الموقف العربي كان بدايات عام 2017، الذي شهد خسارة المعارضة المسلحة معركة حلب (شمال)، وخلال 2018 عندما خسرت معارك ريف دمشق ومحافظة درعا (جنوب) وتسليمها أسلحتها للنظام والقبول بالخروج من تلك المناطق إلى الشمال السوري، الذي تسيطر عليه فصائل الجيش الوطني (المعارض) وهيئة تحرير الشام وفصائل أخرى.

وأعادت الإمارات والبحرين فتح سفارتيهما في دمشق، نهاية 2018، على مستوى القائمين بالأعمال، بينما فشلت تونس والجزائر في إعادة عضوية سوريا في الجامعة العربية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، أعادت سلطنة عمان سفيرها إلى دمشق، لتصبح أول دولة خليجية تعيد تمثيلها الدبلوماسي على مستوى السفراء.

السعودية المعترض الأكبر تغيير موقفها

ووفقاً لتقارير إعلامية، أعادت السعودية، في مايو/أيار الماضي، فتح قنوات اتصال مباشرة مع سوريا، بزيارة رئيس جهاز المخابرات السعودي، الفريق خالد الحميدان، لدمشق ولقائه بشار الأسد، ورئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك.

وهو ما أكده متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لقناة “الحرة”، بقوله إن “الوزارة على علم بالتقارير التي تحدثت عن محادثات سورية سعودية جارية لإعادة فتح السفارة السعودية في دمشق”.

وسبق ذلك حضور وزير السياحة السوري، محمد رامي رضوان مرتيني، مؤتمراً بالرياض في مارس/آذار الماضي، ليصبح أول مسؤول سوري يزور المملكة علناً منذ 2011.

لكن الموقف الرسمي السعودي لا يزال متمسكاً بالحل السياسي، برعاية وإشراف الأمم المتحدة، لوقف الحرب، علماً أن الموقف السعودي سيكون له تأثير كبير على دول الخليج والأردن ومصر، إضافة إلى نفوذها في الجامعة العربية.

وكانت السعودية استدعت سفيرها من دمشق، في أغسطس/آب 2011، ثم أعلنت في مارس/ آذار 2012 إغلاق سفارتها وسحب جميع الدبلوماسيين والعاملين فيها.

زيارة غير مسبوقة لوزير الدفاع السوري للأردن

قبل أيام، أجرى وزير الدفاع السوري أول زيارة للعاصمة الأردنية عمان منذ 2011، والتقى خلالها رئيس الأركان الأردني ومسؤولين آخرين، بعد توقف الدعم الأردني، بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول خليجية، لفصائل المعارضة المسلحة جنوبي سوريا.

كما سمح الأردن بمرور الغاز المصري وإمدادات الكهرباء الأردنية إلى سوريا، ومن ثم إلى لبنان.

وبالإضافة إلى هذه المستجدات من جانب الأردن، تخطو دمشق خطوات أخرى على طريق إعادة الاندماج في محيطها العربي عبر بوابة العراق، الذي كان راغباً في دعوة رئيس النظام السوري لمؤتمر الشراكة والتعاون في بغداد (أغسطس/آب الماضي)، لولا الضغوط الفرنسية والتركية، حسبما ورد في تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني.

كان الأردن وسوريا على طرفي نقيض منذ بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011، حيث تحالف الرئيس السوري بشار الأسد مع روسيا، بينما انحاز العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى جانب الولايات المتحدة.

لكن زيارة أيوب قد تُمثل نقطة تحول دبلوماسية، حيث من المتوقع أن يزور مسؤولون سوريون آخرون رفيعو المستوى عمان في المستقبل، لكن كيف تُبرر المملكة الهاشمية تحولها السياسي؟

اعتبارات أمنية

الآن في عامه العاشر، تسبّب الصراع في سوريا في أسوأ أزمة لاجئين في العالم، حيث فرّ أكثر من 5.6 مليون سوري إلى البلدان المجاورة، وأكثر من مليون يعيشون في أوروبا.

قُتل حوالي نصف مليون شخص في الصراع السوري، بما في ذلك آلاف الأشخاص المحتجزين في سجون المخابرات السورية، الذين لقوا حتفهم نتيجة التعذيب الوحشي.

وثَّق تقرير للأمم المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر زيادة في القتال في الآونة الأخيرة داخل سوريا، مصحوبة بـ”عودة الحصار والتكتيكات الشبيهة بالحصار” في بعض أجزاء البلاد، بما في ذلك محافظة درعا الجنوبية الغربية، مسقط رأس الثورة السورية، وواحدة من آخر معاقل مقاتلي المعارضة.

التطبيع العربي مع الأسد
لاجئون سوريون في لبنان/رويترز

وسبق أن اتهمت دمشق الأردن بتدريب مقاتلين من المعارضة والسماح لهم بدخول سوريا عبر حدودها.

تدهورت العلاقات بين البلدين إلى درجة طرد الأردن السفير السوري بهجت سليمان من البلاد في عام 2014.

لكن بحسب وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، فإن لقاء أيوب مع رئيس أركان الجيش الأردني العماد يوسف الحنيطي كان يهدف إلى “ضمان سلامة الحدود المشتركة بين البلدين، والوضع في جنوب سوريا، ومحاربة الإرهاب، والعمل معاً من أجل وقف تهريب المخدرات”.

وبحسب الجنرال الأردني المتقاعد مأمون أبو نوار، فإن زيارة وزير الدفاع السوري هدفت إلى “تعزيز الأمن على الحدود، بعد أن استعاد الجيش السوري السيادة على المناطق الجنوبية القريبة من الحدود الأردنية”.

قال أبو نوار لموقع Middle East Eye: “المفتاح هو ضمان عدم انتقال الفوضى في سوريا إلى الأردن”.

وقال الجنرال المتقاعد إن عمان تلقت تأكيدات بأن الميليشيات المدعومة من إيران لن تكون في المنطقة الحدودية الآن، بعد أن حصل الأردن على إعفاء من قانون قيصر الأمريكي، الذي فرض عقوبات على أي تجارة مع الحكومة السورية.

من دعوة الأسد للتنحي إلى التطبيع والتنسيق الأمني

وتأتي الزيارة في الوقت الذي سعى فيه الأردن مؤخراً إلى تطبيع العلاقات مع الأسد، وهو انقلاب قوي للموقف السابق للحكومة.

في عام 2017، لمّح الملك عبد الله إلى صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، بأن على الأسد أن يستقيل. قال الملك في ذلك الوقت: “الحس السليم يملي على شخص ما، الذي هو زعيم إراقة الدماء هذه تجاه شعبه، أن يمضي قدماً”.

لكن عبد الله تبنى منذ ذلك الحين نهجاً أكثر براغماتية، حسب وصف الموقع البريطاني، حيث قال لشبكة سي إن إن في يوليوتموز الماضي، إن الأسد وحكومته كانوا يقيمون في سوريا لفترة طويلة، وبالتالي فإن الحوار والتنسيق ضروريان.

الأردن بوابة الأسد للعودة للجامعة العربية

في 19 أغسطس/آب 2021، قال رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة، إن الأردن ومصر يدفعان لإعادة دمج سوريا في جامعة الدول العربية. وصرح رئيس الوزراء لصحيفة الإندبندنت البريطانية، أن “الأردن وحكومة مصر ودول شقيقة أخرى ترغب في استعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية”.

المعلق الأردني مالك عثامنة يرى أن هذا التغيير “في مصلحة الطرفين”.

وقال لموقع Middle East Eye: “هذا التقارب بين البلدين يخدم مصالحهما الخاصة”. منذ زيارة الملك عبد الله الثاني إلى البيت الأبيض، في يوليو/تموز الماضي، ومناقشته للقضايا السورية واللبنانية، فهمت واشنطن موقف الأردن من محاولة تغيير الموقف السوري بدلاً من تغيير النظام بأكمله.

ونتيجة لذلك، تمكن الأردن من الحصول على تنازل عن حركة المنتجات ونقل الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا، وكل هذا أدى إلى تحسين فرص التوصل إلى تفاهم إقليمي جديد.

هناك دوافع اقتصادية أيضاً

تحرك الأردن نحو سوريا، التي أعاد فتح معبر حدودي معها لتعزيز اقتصاده، جاء بعد أن شهدت المملكة أزمات متتالية جراء جائحة “كورونا”، وخفض الولايات المتحدة والدول الخليجية مستوى الدعم والمساعدات لعَمان.

في غضون ذلك، كشف وزير شؤون الإعلام الأردني، صخر دودين، في لقاء مغلق مع منتجي الإذاعات الأردنية مؤخراً، عن “عقد اجتماع لوزراء سوريين وأردنيين خلال الأسابيع المقبلة، لبحث مجموعة متنوعة من القضايا الاقتصادية بين البلدين”.

وبحسب دودين، “تم التخطيط لعقد اجتماعات لوزراء الطاقة والمياه والزراعة، والتي ستنسجم بشكل جيد مع خطط الحكومة الأردنية الجديدة للمرحلة المقبلة من العلاقات مع الدول المجاورة، التي تهدف إلى التنمية الاقتصادية”.

عقد في الواقع اجتماع في عمان، في 8 سبتمبر/أيلول، بين وزراء الطاقة في مصر وسوريا ولبنان والأردن، ناقشوا فيه تفاصيل إيصال الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا والأردن.

قال خالد شنيكات، الرئيس الأردني السابق لجمعية العلوم السياسية، إن الأردن الذي يستضيف 1.3 مليون لاجئ سوري تضرّر اقتصادياً من قطع العلاقات مع سوريا وإغلاق الحدود. انخفض الميزان التجاري الأردني مع سوريا من 615 مليون دولار في عام 2010 إلى 94 مليون دولار في عام 2020، وفقاً لإحصاءات أردنية رسمية.

وقال شنيكات إن “الأردن وعدد من الدول الغربية يرون أن الاستقرار في سوريا أولوية على وجود مجموعات عسكرية تسبب المشاكل”.

كما يتحرك النظام السوري عبر بوابة لبنان، يساعده في ذلك أن الرئيس اللبناني العماد ميشال عون حليف للأسد، ويرى أن كلاهما حليف طبيعي، باعتبارهما ينتميان للأقليات في مواجهة الأغلبية السنية في المنطقة.

كما أن حزب الله وحلفاء سوريا الآخرين نافذون في الحكومة اللبنانية، خاصة الجيش والأمن العام الذي يسيطر عليه الشيعة.

وللمرة الأولى استقبلت دمشق وفداً رسمياً لبنانياً قُبيل تشكيل حكومة رئيس الوزراء الجديد، نجيب ميقاتي (نالت ثقة البرلمان مؤخراً)، الذي تربطه بدمشق علاقة وثيقة تمتد لسنوات، عززتها استثماراته الضخمة في المرافق الاقتصادية السورية.

اتفاق الطاقة مع لبنان: هل يكون بداية نهاية عزلة الأسد؟

ينظر البعض إلى اتفاق سوري – أردني جديد للطاقة من أجل لبنان على أنه خطوة أخرى نحو إعادة التأهيل الدولي لنظام الأسد الوحشي، حسب وصف تقرير لموقع دويتشه فيله “DW” الألماني.

خطة نقل الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا مدعومة من الحكومة الأردنية وسفيرة الولايات المتحدة لدى لبنان، دوروثي شيا. وترى الأخيرة أنها وسيلة لمواجهة النفوذ الإيراني في لبنان.

في 19 أغسطس/آب، قال زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، إن حليفته إيران ترسل شحنات وقود لمساعدة لبنان على تجاوز أزمة قوته. في اليوم نفسه، أعلن شي أن الولايات المتحدة كانت تتحدث مع مصر والأردن حول حلول مختلفة لأزمة القوة اللبنانية.

وقال شيا إن بعض ما يُعرف بعقوبات قانون قيصر- الذي سمي على اسم المصور العسكري السوري الذي انشق ومعه 53 ألف صورة توثق التعذيب والقتل من قبل حكومة الأسد- يمكن تعديله للتعامل مع عمليات نقل الوقود إلى لبنان عبر سوريا.

في المجمل، ينظر البعض إلى الاجتماعات رفيعة المستوى وتخفيف العقوبات على أنها علامة أخرى على أن حكومة الأسد الوحشية تخضع لشيء من إعادة التأهيل الدبلوماسي، حسب الموقع الألماني.

قال جوليان بارنز-داسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لـDW: “أعتقد أن وصفها بـ”إعادة التأهيل الدبلوماسي” يذهب بعيداً بعض الشيء. ومع ذلك، أقر بأن “نوعاً من إعادة التكامل الإقليمي مستمر منذ فترة”.

وأوضح بارنز داسي: “بشكل عام، قبلت الحكومات في المنطقة أن الأسد قد نجا وأنه سيبقى [في السلطة] لبعض الوقت”. وقال: “لذلك من مصلحتهم تطبيع العلاقات مع سوريا. هناك قضايا اقتصادية وقضايا طاقة تعمل لصالح الجميع”.

أشارت بارنز-داسي إلى أن سوريا والأردن، اللتين تعانيان من ضائقة اقتصادية صعبة، سبق لهما القيام بتجارة كبيرة عبر الحدود مع بعضهما البعض.

يتعلق الأمر أيضاً باستخدام الولايات المتحدة لأسلوب أكثر ليونة بالشرق الأوسط في عهد الرئيس جو بايدن. وأكدت بارنز-داسي أن “إدارة بايدن لن تستثمر في وضع نظام الأسد تحت ضغط كبير”، “والنتيجة هي أن الجهات الفاعلة الإقليمية أعادت ضبط توجهاتها تجاه الأسد”.

هل صفقة الطاقة مجرد استثناء؟

قال جاي بيرتون، أستاذ الشؤون الدولية في كلية بروكسل للحكم، والذي يركز عمله على الشرق الأوسط: “ما إذا كانت صفقة الطاقة المقترحة ستؤدي إلى إعادة تأهيل دبلوماسي لسوريا، يعتمد إلى حد كبير على أي جانب من الطاولة تجلس”.

ومن المؤكد أن النظام السوري نفسه سيستخدمها على هذا النحو. وقد يرحب به بعض جيرانه العرب، مثل الأردن ومصر ودول الخليج، الذين يرون أنه وسيلة للحد من النفوذ الإيراني.

لكن من المهم أن نتذكر أن الغاز والكهرباء سيمران فقط عبر سوريا، كما يقول كرم الشعار، المستشار المستقل في الاقتصاد السياسي السوري والمحاضر البارز في سياسات الشرق الأوسط بجامعة ماسي في نيوزيلندا.

وأضاف: “ستحصل هذه المعاملة فقط على تنازل خاص من الولايات المتحدة”، ولكنه لفت إلى أن “الشركة التي تشغّل خط الأنابيب ستظل خاضعة للعقوبات”.

قال الشعار، الذي نشر ورقة بحثية عن قطاع الكهرباء بسوريا في أغسطس/آب 2021، إن ما يسمى بخط الغاز العربي المصمم لجلب الغاز من مصر يعمل بالفعل. وأضاف أن شبكة الكهرباء بين سوريا والأردن- بالقرب من درعا، حيث اندلع قتال خطير مؤخراً- تضررت ولكن يمكن إصلاحها في غضون بضعة أشهر مقابل أقل من 4 ملايين دولار (3.4 مليون يورو).

بالنسبة للشعار، وهو نفسه سوري الجنسية، فإن التقارب الأردني-السوري له ما يبرره بطريقة واحدة على الأقل: “سيفيد اللبنانيي، بل ويفيد الشعب السوري، لأن الغاز والكهرباء مهمان للبلاد”.

ولكنه يرى أنه غير مبرر “إذا كان هذا جزءاً من مخطط أكبر لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد”.

وأضاف بيرتون: “هناك خطر في أنه كلما زاد تطبيع موقف الأسد، يمكن أن تكون لذلك تداعيات على اللاجئين”. تستضيف كل من لبنان والأردن أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين وتطالبهم بالعودة إلى ديارهم.

وتابع بيرتون قائلاً إن هناك انعدام سلام أو عدالة في سوريا، مما يدعم قضية استمرار عزل نظام الأسد.

وخلص بيرتون إلى أن المشكلة تكمن في أن هذا الرأي الخاص بضرورة الوضع في الاعتبار أوضاع السوريين تحت حكم الأسد، يُتبنى في الغالب من قبل الولايات المتحدة والأوروبيين. وقال بيرتون: “على النقيض من ذلك، بالنسبة لدول أخرى مثل روسيا وإيران وربما الآن بعض الدول العربية، فإن مثل هذه القضايا أقل أهمية بكثير. بالنسبة لهم، فإن النظام والاستقرار هما الأكثر أهمية”، “ومن المرجح أن يكونوا سعداء مع من يستطيع تحقيق ذلك، وضمن ذلك الأسد نفسه”.

اللافت أن هناك دولاً أوروبية تتحدث عن نيتها إعادة فتح سفاراتها في دمشق، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا ورومانيا والتشيك.

وسيكون تطبيع العلاقات العربية مع النظام السوري تعزيزاً لشرعيته، التي تتعارض مع مواقف كثير من الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وغيرها من الدول التي ترى أن هذا النظام فقد شرعيته منذ استخدامه الأسلحة الكيمياوية ضد مدنيين سوريين في 2013.

ولا تزال الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تضغط على النظام السوري، عبر عقوبات سياسية واقتصادية، لعزله وإجباره على الامتثال لقرارات مجلس الأمن ومخرجات مؤتمر جنيف لتسوية الصراع السوري سياسياً.

لكن النظام ظل يماطل في التوصل إلى اتفاق عبر جولات تفاوض في جنيف برعاية الأمم المتحدة، ويأمل استعادة شرعيته عبر فتح قنوات تواصل مع عدد من الدول العربية لترسيخ سلطاته على الأراضي السورية بالكامل وتحقيق الاستقرار اللازم لإعادة إعمار المدن التي خربتها الحرب منذ 2011.

ويرى مراقبون أن الانفتاح العربي على دمشق جاء نتيجة لتغيير الولايات المتحدة استراتيجياتها في المنطقة بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، في يناير/كانون الثاني الماضي.

وكذلك تبعات سياسات الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب (2017-2021)، الذي تبنى شعار “أمريكا أولاً”، واتجاه واشنطن حالياً لمواجهة تهديدات صينية مفترضة، والتركيز على إبقاء عمليات الأمم المتحدة للمساعدة عبر الحدود مفتوحة في أجزاء من سوريا لا تخضع لسيطرة قوات النظام.

وتستند معظم الدول العربية التي أعادت علاقاتها مع سوريا إلى افتراض غير واقعي بسيطرة النظام على معظم المناطق الحيوية بسوريا ونجاح قواته في فرض الأمن والاستقرار.

وعلى الرغم من عدم توافر معطيات عن إمكانية تفكيك التحالف بين النظام السوري وإيران، وعدم وجود إرادة سياسية أو رغبة لدى النظام، فإن الإمارات والبحرين ودولاً أخرى تعتقد أن التطبيع مع النظام واستعادة الدور السوري في محيطيه العربي والإقليمي سيتكفلان بتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة.

ولكن التجربة أثبتت أن علاقة النظام السوري مع إيران تتجاوز أي ضغوط، لأنها تستند إلى عوامل طائفية، جعلت نظام الأسد يؤيد إيران في حربه ضد العراق في عهد صدام حسين رغم أن دمشق وبغداد كانتا محكومتين من حزب البعث، كما أن الروس بدعمهم القوي للأسد، ونفوذهم الهائل في سوريا، لم يستطيعوا تقليل النفوذ الإيراني المتغلغل في كل مكان بسوريا، وفي كل مؤسسات نظام الأسد.

الأهم أن التطبيع العربي أو الغربي مع سوريا دون تغيير النظام لسلوكياته من شأنه تضييع فرصة لإجباره على تقديم بعض التحسينات في الأوضاع الإنسانية بالبلاد، بل العكس سيؤدي إلى تشجيعه على مزيد من العنف ضد المدنيين ومناطق المعارضة.

ماذا عن اللاجئين السوريين؟

القضية التي قد تكون أهم بالنسبة للغرب ودول الجوار أن هذا التطبيع العربي مع الأسد وإنهاء عزلته الدولية من شأنه تضييع فرص الضغط عليه لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وهي المسألة التي يقاومها النظام بشدة؛ لرغبته في تغيير هوية سوريا الديموغرافية وجعل العرب السُّنة أقلية.

علماً بأن الأسد قاوم ضغوطاً روسية لإعادة اللاجئين مقابل رفع أو تخفيف العقوبات الغربية، رغم ما في ذلك من فائدة للطرفين: ينهي قادة الدول الأوروبية أزمة اللجوء التي تحفز اليمين المتطرف، فيما يكسب الأسد بعض الأموال، لحكومته المفلسة.

ولكن طبيعة نظام الأسد تجعل الغنائم الديموغرافية للحرب وفرار اللاجئين للخارج ستحلان له مشكلة أبدية وهي: سوريا بلد ذو أغلبية عربية سنية تحكمه أقلية علوية، أهم من إنهاء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يواجهها بمزيد من القمع أو تشجيع تهريب المخدرات، إلى حين ييأس العالم، ويضطر للتعامل معه.

والمفارقة هنا أنه بينما يكاد يسقط قادة غربيون كبار بسبب أزمة اللاجئين السوريين مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي فقدت شعبيتها بسبب توسعها في استقبالهم، فإن الأسد باقٍ في منصبه رغم جرائمه بحق هؤلاء اللاجئين.