معابر المازوت هي نفسها معابر التهريب

غسان الحجار – النهار

لا أريد أن أدخل هنا في متاهة التعامل ال#لبناني الرسمي مع #المازوت الإيراني الذي، وإن كان حاجة ربما تسدّ بعض عطش السوق الى المحروقات، يقوّض فعلاً أسس الدولة ومؤسّساتها، لا لكونه إيرانياً، بل لطريقة دخوله البلاد بلا حسيب ولا رقيب. دخول المازوت الإيراني لا يمكن أن يتم من معبر تسلكه البغال والحمير لتهريب بعض المؤن وغالونات المحروقات، بل إن عدد الشاحنات وحجمها ومسارها، تفترض أن يكون المعبر طريقاً حقيقية ومعبّدة وواسعة، أي أنها ليست معبراً خافياً على الأجهزة الأمنية، وبالتالي فإن المسؤولين، سياسيين وأمنيين، يعلمون بهذا المعبر وبغيره، ولا يحرّكون ساكناً، رغم إدعائهم المتكرّر أنهم يحاربون التهريب ويتصدّون له.




أذكر يوماً أن أحد وزراء الدفاع عرض عليّ تقريراً مفاده أن الجيش والقوى الأمنية تمكنت من إقفال 95 في المئة من المعابر غير الشرعية، وما يحصل حالياً (آنذاك) هو أمر معتاد، يقوم به مهربون صغار في بلدات وأراضٍ متداخلة بين لبنان وسوريا، ويعتمدون على سيارات صغيرة ودراجات وبغال وحمير. أذكر أني تعجّبت للتقرير، لعلمي ولعلم غيري من اللبنانيين، بأن حجم التهريب يفوق كثيراً ما يتحدّث عنه الوزير. وهو يتم بعمليات منظمة تغضّ القوى الأمنية النظر عنها، وقد تفيد منها في مصالح سياسية ومالية نفعية.

أمام التقرير المذكور خطرت لي أفكار عدة. أولها أن الوزير غبيّ إلى درجة أنه يصدّق الكذبة ويحاول اقناعي بها. وثانيها أن الوزير مسرور بالاستناد إلى تقرير لا يصدّقه، يرفع عنه المسؤولية السياسية ويرميها على قيادة الجيش. وثالث الأفكار ان التقرير معدّ بالتوافق والتضامن والتآمر لعرضه على الإعلام في عملية استغباء، أو على الديبلوماسيين في عملية خداع. وقد يدرك الوزير في قرارة نفسه أن محدّثيه لا يصدقونه وإن رسموا على وجوههم ابتسامة صفراء درءاً لإحراجه او لمواجهة معه في مكتبه.

إمرار المازوت الإيراني يوماً بعد يوم، يكشف عن المعابر غير الشرعية، بل إنه يشجع على فتح معابر جديدة، إذ إن ردة الفعل الرسمية، غير المبالية، وغير المسؤولة، تدفع المهربين الى تسريع وتيرة عملهم وتكثيف نشاطهم المتوقع، خصوصا سرقة السيارات في الايام المقبلة اذ بدأت سوريا تعاني نقصاً كبيراً في الآليات بسبب الحصار المفروض عليها.

والواقع وفق تقارير أمنية غير منشورة وغير معروضة على الإعلام، أن عشرات المعابر، بل مئات ربما، واقعة ما بين منطقتي الهرمل والشمال، وهي طرق غير وعرة، بل أكثرها معبّد، تُنقل عبرها كل أنواع البضائع الى سوريا ومنها.

وهذه المعابر، وإن كانت في لبنان تخضع لأحزاب وعشائر ومافيات، فإنها في الجانب السوري ممسوكة من الجيش والقوى الأمنية السورية التي تسهّل عمل المهربين من لبنان، أو تضيّق عليهم وفق الظروف، وتقفل على العشائر في البقاع كلما تجاوزت هذه الاخيرة الحدود المرسومة لها، لتنشط في المقابل معابر الشمال، والعكس صحيح أيضاً.

وعليه لا يمكن للقوى الأمنية اللبنانية التذرّع بتداخل الأراضي والقرى، والعائلات المشتركة والموزعة على البلدين، لأن في الأمر تبسيطاً لعمليات كبيرة منظّمة ترعاها القوى القادرة والمؤثرة في لبنان، وهي متعدّدة الانتماء السياسي والطائفي، وترعاها سوريا بشكل رسمي لتعويض النقص الحاد في معظم السلع بسبب الحصار الممارَس عليها دولياً.