هل ميقاتي مع زيادة الرواتب و”الحزب” وعون مع “البطاقة”؟

سركيس نعوم – النهار

تساءل كثيرون في #لبنان وخارجه عن أسباب امتناع “#حزب الله” عن ممارسة أيّ ضغط على حليفه “الاستراتيجي” الرئيس #ميشال عون وصهره النائب جبران باسيل في أثناء تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف حكومة جديدة رغم إعلانه مرّات ومرّات أنّه مُتمسِّكٌ بالأخير رئيساً للحكومة الجديدة، ورغم معرفته الوثيقة بالضغوط التي مارسها حليفه عليه سواء لإرغامه على الاعتذار لأنّه لم يكن يريده رئيساً لحكومة السنة الخامسة من ولايته أو لفرض تشكيلة حكوميّة عليه تجعله ومن يُمثِّل أقليَّة صغيرة داخلها، وتُعطيه هو ثلثاً ضامناً أو معُطِّلاً كما تجعل من وزرائه ووزراء حلفائه غالبيّة ساحقة في الحكومة. الجواب كما يُقدِّمه مُتابعون لتحرُّك “الحزب” وسياساته اللبنانيّة يُفيد أنّ عون و”التيّار الوطني الحر” ورئيسه النائب جبران باسيل هم حلفاؤه المسيحيّون الوحيدون في لبنان، وهم أقوياء شعبيّاً رغم بعض الانحسار في قوّتهم في السنتين الأخيرتين. إذ أنّ استعادة القوّة أو بعضها يبقى ممكناً في الانتخابات النيابيّة المقبلة التي ستجري في موعدها ما لم يُعطِّلها طارئ كبير. طبعاً لـ”حزب الله” حليف مسيحي آخر هو النائب السابق سليمان فرنجية رئيس “تيار المردة”، والعلاقة بينهما ممتازة. لكنّ نفوذه المسيحي محصور في منطقته الانتخابيّة، علماً أنّه كان أيّام الراحلين والده وجدّه يمتدّ إلى قضاءي الكورة والبترون. لذلك أسباب كثيرة أهمّها نجاح حزب الكتائب بواسطة جناحه العسكري الذي صار لاحقاً “القوات اللبنانية” في استقطاب غالبيّة المسيحيّين الخائفة من نجاح المسلمين في تقليص نفوذهم اللبناني بمساعدة ملموسة من الفلسطينيّين بعدما صار لبنان مركز قيادة كفاحهم المُسلَّح ضدّ إسرائيل ومن سوريا الراحل حافظ الأسد.




طبعاً لا يعني تمسُّك “حزب الله” بحليفه المسيحي عون وتيّاره تغاضياً عن أخطائه وعن ممارسات له في الداخل وأحياناً مع الخارج أثارت الريبة ولا تزال تُثيرها. بل يعني إصراراً على عدم توحيد أخصامه بل أعدائه اللبنانيّين وهم السُنّة والدروز وقسمٌ مهمٌّ جدّاً من المسيحيّين، وإعطائهم فرصة لاستفراده إذا تغيَّر ميزان القوى في لبنان “الطابش” لمصلحته. ويعني في الوقت نفسه استعداداً لمنع الأذى عن نفسه وإن من حلفاء له وقدرة على تنفيذ ذلك. وبعدما كُلّف الرئيس نجيب ميقاتي بتأليف الحكومة في أعقاب اعتذار الرئيس الحريري عن ذلك تساءل كثيرون في لبنان أيضاً: لماذا لا يضغط “الحزب” على الرئيس عون وصهره وخصوصاً بعدما بدا أنّهم يضعان عقبات أمام ميقاتي وشروطاً أهمّها حرصهما على امتلاك ثلثٍ ضامن أي مُعطِّل رغم معرفتهما أنّهما مع “حزب الله” يمتلكان لا ثلثاً كهذا فقط بل غالبيّة ساحقة؟ الجواب عن هذا التساؤل هو نفسه الجواب عن السؤال الأوّل الذي طُرِح في مطلع “الموقف هذا النهار”. لكنّ هناك جواباً آخر مُكمّلاً للجواب الأوّل هو أنّ معرفة “الحزب” أنّ ميقاتي كان راغباً وبقوَّة في تأليف الحكومة، ولا سيّما بعد نجاحه في الحصول على تأييد قوى دوليّة مُهمّة مثل فرنسا وبريطانيا ودول عربيّة مثل مصر والأردن. علماً أنّ فرنسا كانت الدافع الأوّل له للسعي إلى العودة إلى رئاسة الحكومة لأنّها أبدت ومنذ انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره في 4 آب 2020 رغبة في مساعدة لبنان، ودعت رسميّاً إلى تأليف حكومة، وأكّدت أنّها فور تأليفها ومباشرتها تنفيذ إصلاحات مُعيّنة ستنكبُّ على مساعدتها لتحقيق عددٍ من الأهداف المُلحَّة.

طبعاً لم يكُن تأليف الحكومة هذه المرَّة في حاجة إلى أشهرٍ طويلة كما في السابق. لذلك أسباب عدَّة أهمّها إثنان. الأوّل عدم وجود عداء شخصي ممزوج بالحقد والرفض بين الرئيس عون وصهره باسيل وبين ميقاتي. والثاني استعداد ميقاتي لتفهُّم مطالبهما وإن تعجيزيّة أحياناً ومُنفِّرة لقاعدته الشعبيّة أو بالأحرى للطائفة التي يُمثِّل في التركيبة اللبنانيّة المُعقَّدة، وللتجاوب معها. واستعداده أيضاً لتدوير الزوايا رغم عدم استعداد الرئيس والصهر لذلك. والتدوير هنا يعني تنازلاً في رأي البعض وتساهلاً في رأي البعض الآخر، وحرصاً على عدم تجاهل الواقع ورغبة شديدة في إيجاد حلولٍ ليس للأزمة اللبنانيّة بكلِّ تشعّباتها لاستحالة ذلك، بل لمشكلات ثلاث بالغة الأهميّة هي الدواء والكهرباء والمحروقات على تنوّعها.

في أيّ حال لا يرمي هذا الكلام إلى النيل من ميقاتي بل إلى إطلاع اللبنانيّين على حقيقة الأوضاع وتحصينهم ضدَّ أيّ محاولة تضليلٍ وخداع. فالحكومة الجديدة فيها 10 أو 11 وزيراً لعون وباسيل وحلفائهما. وهؤلاء مع وزراء “حزب الله” و”حركة أمل” وحلفائهما أكثريّة ساحقة في الحكومة. أمّا رئيسها فوزراؤه “أقليّة” علماً أنّ أحدهم سمّاه الوزير باسيل شخصيّاً وهو على الأرجح وزير الاقتصاد أمين سلام. ويرمي الكلام نفسه إلى التأكيد بأنّ النجاح في تأليف حكومة مدعومة دوليّاً ومن بعض العرب رغم “عداء” نافذين منهم لها وفي وقت قصير نسبيّاً أفضل من بقاء لبنان بلا حكومة ولا سيّما بعدما صار في القعر، وبعدما ضرب الفقر والجوع والذلّ والاحتكار والفساد على أنواعه شعوبه كلّها. علماً أن ذلك كلّه لم يوحِّدها ويحوّلها شعباً واحداً. فضلاً عن أنّ توافق أطراف الحكومة أي “حزب الله” والرئيس عون وباسيل واستطراداً الرئيس ميقاتي قد يُحقِّقوا إنجازات قليلة لكن مريحة. في هذا المجال يؤكِّد أصدقاء لميقاتي أنّ شركة “سيمنز” الألمانيّة وشركة كهرباء فرنسا EDF مُستعّدتان للقدوم إلى لبنان والعمل مع حكومته لوضع خطّة تأهيل للكهرباء وتنفيذها. ويؤكّدون أنّ حلولاً معقولة للأدوية والمحروقات ستُعتمد. وبعد ذلك ينصرف الجميع إلى الإعداد للانتخابات النيابيّة.
طبعاً لا ينفي ذلك وجود خلافٍ أو تباين بين ميقاتي و”حزب الله” ومعه عون وباسيل على “#البطاقة التمويلية” التي يُفترض أن تُساعد الفقراء ومن انضمّ إلى صفوفهم في السنتين الأخيرتين. فالأوّل لا يُحبّذها ويُفضِّل زيادة رواتب القطاع العام على تنوّعه. و”الحزب” وحلفاؤه مُصرّون عليها لسببين على الأرجح. الأوّل أن نتائج زيادة الرواتب كارثيّة مثلما كانت نتائج زيادة رواتب الأساتذة والمُعملّين التي وقّعها قبل سنوات رئيس الحكومة في حينه نجيب ميقاتي. أمّا الثاني فهو الإفادة من “البطاقة” انتخابيّاً.